نعم، صدّقني...صديقي المهداوي...
عصيد ليس بتافه، ولا جاهل، ولا يصنع التفاهة... أخطأتَ في وصفك للرجل، وحرمته من صفةٍ ستكون يومًا ما عليه وليس له.... أمام محكمة التاريخ...
الأمازيغ، مثل كل الشعوب، في حاجة إلى سقفٍ يأويهم، وخبزٍ يقيهم الجوع، وسريرٍ في مستشفى، وكرامةٍ وعدالة...
الأمازيغي يختلف عن الأمازيغاني... الأول أصل والثاني نسخة مزيفة تقتات باسم الهوية... الأول ينظر للمستقبل، ولا يجر معه خيبات الغابرين، والثاني يفكك الماضي لنشر الفوضى والأحقاد...
لكن عصيد، المثقفُ جدًا، يريدنا أن ننصب المشانق للمسلمين الغزاة، وللعرب العربان، بدل محاكمة القهر والفقر والظلم... يريدنا أن نفتّش عن الحقوق المهضومة في كهوف التاريخ، وننسى أن أهلنا في الحوز تحاصرهم الثلوج... يريدنا أن نضاجع "أحرار العقيدة"، لا أن نحرّر أحرار المصير والعيش... يريدنا أن نتبرّأ من طارق بن زياد ومعاوية، ولا نتبرّأ من الفاسدين وصُنّاع اليأس... يريدنا أن نحاكم الخلفاء الراشدين، ولا نحاكم حكوماتنا "المقاولة" التي تتاجر في آلامنا... يريدنا أن نُطالب بمطاعم مفتوحة في رمضان، ونحن أصلاً لا نجد ما نأكل ولا ما نطعم... ومعركتنا مع الجوع لا مع "الممنوع"... يريدنا أن نصبّ جام غضبنا على البخاري ومسلم، بدل صبّه على صُنّاع البؤس والقهر...
لهذا، هو ليس تافهًا، يا صديقي... إنه مثقفٌ جدًا، بأدواتٍ منهجية وعمقٍ فكري وثقافي... يجيد دوره الذي أهّله للوصول إلى الغنيمة...
والتافه، يا صديقي المهداوي، أحنّ منه على الشعوب... لأن تكلفة التفاهة عابرة، بينما تكلفة صناعة الوهم الفكري عالية، ومُكلفة في الصراع من أجل العدالة والكرامة...
فالتافه عابرٌ في حياتنا، له أثرٌ محدودٌ في الزمان والمكان، ضائع، بلا رؤيةٍ ولا تصوّرٍ ولا خطة، يرتجل الفرجة مما يراه قابلًا للتسويق لجماهير التصفيق واللايكات، ويرفع منسوب المشاهدة ليعيش... لكنه بلا استراتيجيةٍ تدميرية، ولا خلفيةٍ فكرية، ولا أجندةٍ إيديولوجية... إنه هناك... في منطقةٍ معزولة القيم، لا ينتمي إلى جهة...
أما عصيد، فهو مثقفٌ من الوزن الثقيل، درس الفلسفة والتاريخ وعرج على كتب الأولين، وفي خطابه نكهة من نيتشه، وعدوى الاستشراق،وتحصّن بالمنهج والقدرة على التحليل... لهذا ظلمتَ الرجل؛ لأنه ليس مجرد مثقف، بل "مثقف مهام خاصة"...
علّمنا التاريخ أن أمثاله موجودون في كل حقبة؛ يُشرعنون التضليل، ويهندسون الجدل حول قضايا تافهة، يصنعون ضجيجًا لا يلامس الجراح، ويهربون بالرأي العام نحو متاهاتٍ هوياتية بلا قاع...
هو مثقفٌ جاهزٌ لخدمة النسيان الجماعي، قادرٌ على أخذك بعيدًا عن قضايا الحرية والكرامة والعدالة... فليس أشقّ على المجتمعات من المثقفين حين يصطفّون إلى جانب القهر؛ لأنهم قادرون على شرعنة السلطة العمياء... وليس أشقّ على الشعوب من المثقف الذي يشحذ سلاح الفكر لذبح الحرية...
علّمنا التاريخ أن أمثال عصيد كُثر... المثقف الذي يختبئ في التاريخ، ويفجّر قضايا لنُدير الظهر لحاضرٍ موجع... نعرفهم جيدًا، كما نعرف الكهنة والفقهاء والمفتين الذين تفنّنوا في "فقه الطاعة" وشرعنوا الاستبداد...
المثقف من طينة عصيد أخطر على الشعوب من التافهين... لأنه يُلبس الإلهاء ثوب الفلسفة، ويمنح التنويم صبغة التنوير، ويختلق معارك جانبية تستهلك طاقة الوعي بدل توجيهها نحو التحرر...
يهرب بالصراع من راهنيته مع الظلم والفساد، إلى نقاشٍ في مناطق الاختلاف الإيديولوجي والهوياتي... يصنع أزمةً تريح الباطل وترهق صفوف الديمقراطيين... وباسم الفكر والعدالة والحداثة، يفتح جبهاتٍ غير حقيقية، ويعطّل التحوّل نحو الديمقراطية...
السلطة تفتح له البوابات، ويغدو رمزًا وزعيمًا ومفكرًا... وله من الأدوات الفكرية ما يؤهّله لخدمة النموذج الفكري المريح والمطلوب... وهو يدرك قواعد اللعبة جيدًا، ويجيد اللعب داخل مساحتها الآمنة...
لهذا، هو مثقفٌ كبير، لكنه مثقف بلا قضية، سوى إتقان صناعة الإلهاء، وإدارة معارك الالتفات بدل السير نحو المستقبل...
وهو أقسى على الشعوب من التافهين؛ لأن التافه يعيش لحظته العابرة وينتهي، أما هو، فـيصنع الأوهام، ويقيم المتاريس الفكرية أمام أي تحوّل حقيقي... ويصنع إشكالات فكرية لا تصنع وطنا، بل تصنع خرائط... وهوى على المقاس للخصوم وللطغاة، نكاية في الأعداء التاريخيين الوهميين... إنه قادر بعبقريته في السجال على صناعة معارك غير مجدية، باسم التنوير... معارك أسلحتها من صغائن تاريخية...
يمتلك القدرة على الإقناع والإفحام، لكنه لا يستخدمها إلا في الاتجاه الخطأ... لذلك، هو حجر زاوية في هندسة القهر...
هكذا تحدّث التاريخ... وهكذا يكتب المنتصرون قصص "الفلاسفة الكبار" الذين أتقنوا فن خدمة سادتهم...
اعتذرْ له... فالرجل ليس تافهًا.


تعليقات
1