في لحظة وعي جماعي تتجاوز مجرد المعالجة الأمنية التقليدية، بعثت المديرية العامة للأمن الوطني، تحت إشراف عبد اللطيف حموشي، رسالة قوية مفادها أن حماية الثروة الغابوية ليست فقط معركة ضد الجريمة، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية في صلب الأمن المجتمعي والبيئي.
فمن قلب المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، وخلال افتتاح يوم دراسي حول "حماية الثروة الغابوية والوحيش: مسؤولية قانونية وواجب وطني"، أكد محمد الدخيسي، مدير الشرطة القضائية، باسم المدير العام...
أن المقاربة الأمنية الجديدة لم تعد تنحصر في المعالجة الزجرية، بل أصبحت تؤمن بضرورة الاستثمار في قيم المواطنة البيئية، والتآزر المجتمعي، والعدالة الإيكولوجية.
وأكد الدخيسي أن المديرية، وعبر رؤية أمنية متقدمة، تضع في صلب أولوياتها مواجهة الجرائم الماسة بالثروة الغابوية، بما فيها تلك التي تتغذى من التنظيمات الإجرامية العابرة للمجالات الترابية. واستعرض أمام المشاركين التحول العميق في آليات الاشتغال، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي ووسائل التحليل الرقمي، وتكوين موارد بشرية واعية بدور الأمن البيئي كحاجة مجتمعية لا كترف مؤسساتي.
الرسالة التي حملها هذا اللقاء لم تكن تقنية فقط، بل إنسانية في جوهرها: المديرية تسهر على حماية الإنسان من التدهور البيئي، وتحمي البيئة من الإنسان حين ينحرف نحو الاستنزاف والتدمير.
في ذات السياق، دعا توفيق أزروال، عن الوكالة الوطنية للمياه والغابات، إلى بلورة تحالف وظيفي بين الأمن والبيئة، منتقدًا تحوُّل الجرائم الغابوية من طابع معيش إلى شكل مافيوزي منظم. وأكد على أهمية بناء شرطة بيئية قادرة على المراقبة والتدخل، مدعومة بتكوين مستمر يتماشى مع التحولات التشريعية والميدانية.
أما محمد إغبيرا، عميد الشرطة الممتاز، فقد شدد على أن رؤية الأمن الوطني لم تعد ترتكز فقط على "رد الفعل"، بل تتبنى منطق "الوقاية المجتمعية"، مؤمنة بأن أمن المواطن يبدأ من سلامة الهواء والتراب والماء.
وفي السياق ذاته أكدت غزلان الإدريسي، من الوكالة، على الاتجاه ذاته، موضحة أن هذا اليوم الدراسي ليس فقط محطة للتكوين والتقييم، بل مناسبة لإعادة تعريف العلاقة بين الأمن والمجال، بين القانون والطبيعة، بين المؤسسة والمواطن.
وقد تميز اللقاء بجلسات حوار مفتوحة جمعت بين رجال الأمن، وقضاة، وخبراء في المجال البيئي، ناقشوا خلالها المقاربات القانونية والتقنية والوقائية الكفيلة بردع الإجرام البيئي، في تناغم تام مع أهداف الاستراتيجية الوطنية "غابات المغرب 2020–2030" التي أطلقها الملك محمد السادس، وجعلها إطارًا مرجعيًا للتنمية البيئية المستدامة.
بهذه المقاربة المتعددة الأبعاد، تُثبت المديرية العامة للأمن الوطني أن الأمن لم يعد جدارًا عازلًا، بل جسرًا يربط بين الإنسان وحقه في بيئة سليمة، وبين الوطن وحقه في مستقبل أخضر نظيف... إنها رؤية أمنية جديدة، تنبض بالحياة، وتؤمن أن حماية الشجرة من الجريمة، هي حماية للجذور، ولظلال الوطن.


تعليقات
0