في حي سيدي البرنوصي العريق الذي أنتج عمالقة الفن والمسرح والسينما والأدب والتشكيل، لا يمكنك ألا تشم رائحة البؤس على الأرصفة وفي الأماكن المهملة، حيث الهشاشة على الأرصفة، جنبا إلى حنب مع واقع حضري ينمو بسرعة، وحيث المفارقات الاجتماعية صارخة، أسدل الستار على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها الدار البيضاء في السنوات الأخيرة.
جريمة لم يكن أبطالها سوى أبناء الهامش، أناس لفظهم المجتمع حين كانوا في أمسّ الحاجة إلى حضنه، فعادوا إليه جثثًا بلا ضوء ولا صوت.
بطلة المأساة: شابة مشردة، لم تتجاوز ربيعها الثالث والعشرين، كانت تحمل على ذراعيها رضيعا لم يعرف من الحياة سوى حضن أمه الخائف، وسريرًا من الإسمنت البارد. كانت أماً وامرأة ومشرّدة في آن، معلّقة بين حب الحياة وسُخط المدينة، وبين مخالب الماضي وشظف الحاضر.
أما الجاني، فليس سوى وجه آخر للخذلان الاجتماعي: شاب قضى طفولته في دار للرعاية، ثم أُلقي به إلى الشارع بعد أن تجاوز السن القانوني، كما تُقذف قطعة أثاث مستهلكة إلى حاوية نسيان.
هناك، في العراء، عرف الجوع والبرد، وذاق طعم الوحدة، قبل أن تقع عيناه على الفتاة المشردة، الهاربة بدورها من أسرة هجرتها أو هجّرتها القسوة.
شاء القدر أن يجمع بين الهاربين، فكانت البداية علاقة هشّة، في زوايا معتمة من المدينة، حيث يختلط الحنان بالرغبة، والاحتياج بالاستغلال. ومع الوقت، غابت الفتاة، كما غاب هو، وعندما عاد بعد سنوات – أو محاولات بائسة للحياة – وجدها في حضن متشرّد آخر، زميل قديم من دار الرعاية، رفيق ماضٍ يتيم.
كان اللقاء كصفعة من القدر. رأى حبيبته السابقة، حاملاً، بين يدي غريمه. تقبّل الصدمة في صمت، لكن الجمر كان يشتعل في داخله. حاول أن يستعيدها، بالكلمات، بالذكريات، وحتى بالجسد. لكنها كانت قد اختارت حياة جديدة، أو بالأحرى موتًا أبطأ وأقل قسوة. رفضت الهروب، تمسّكت بوعد الأب الجديد، وبصورة طفلها المنتظر.
مرت الأيام، وتراكم الغضب في عيني الجاني. بدأ يخطط للانتقام. حاول قتل غريمه مرة بسكين، ثم بحجر، لكن القدر كان أقوى من شهوته الدموية. فشل، وعاد إلى المرأة والرضيع، الذين باتا في نظره "السرقة الكبرى" التي أذلّته.
وفي ليلة حالكة، استدرجها إلى جلسة خالية من المارة والضوء، بعد أن أرسل رفيقه في مهمة زائفة. هناك، أمام الرضيع، حاول مرة أخرى أن يقنعها بالفرار، بالعودة إليه، بالبداية من جديد، لكنها صدّته كما فعلت في كل مرة، وهي تحتضن ابنها كدرع حب نهائي.
عندها، انفجرت كل الهزائم في قلبه دفعة واحدة. حمل حجرًا، كما يحمل مشرد هزيمته، وسدّد إلى رأسها ضربات متتالية حتى انطفأت. ثم، كأنما قرر محو كل أثر، التفت إلى الرضيع، وهشّم جمجمته الصغيرة بنفس البرود. كأنّ الوجع لم يعد له طعم.
جثة على الإسفلت. وطفل بلا بكاء. ومدينة تتثاءب على وقع الجرائم، دون أن تلتفت إلى السؤال الأكبر:
من قتل من؟ هل هو الجاني الذي مزق جسدين؟ أم مجتمع لم يوفّر بيتًا لرضيع، ولم يسمع صراخ فتاة، ولم يرمم قلبًا ذُبح منذ كان عمره في خانة الفرد؟
الجريمة التي وثقتها الشرطة ليست سوى مشهد من مسلسل طويل من الموت الصامت. في مدن الإسمنت، لا يكفي أن تُولد كي تُعترف بك، ولا يكفي أن تبكي لتسمعك المؤسسات.
إنها جريمة بحجم دولة غافلة، ومجتمع يوزّع الإدانات على الهامش، دون أن يسأل نفسه: من ترك هؤلاء يموتون قبل أن يُقتلوا؟


تعليقات
0