إلى روح الأستاذ معاذ بن الحمرة... سامحنا لقد كنا جبناء.... إلى كل ضحية محتملة في قطاع التربية قطاع الموت البطيء... والمرض والجنون والجحود.
في مشهد مأساوي يعكس تغوّل الإدارة على الإنسان، أقدم الأستاذ معاذ الذي فقد أباه منذ شهور، وغدا المعيل الوحيد بعد الله لأسرته، وبعد مسلسل طويل من القهر، والتكالب، على وضع حد لحياته بحي الحي المحمدي بالدار البيضاء، تاركا أما مكلومة، ودراجة في دهشة، كانت تنقله لمختلف المؤسسات بعد تحويله قطعة عيار تربوية، رحل بطريقته بعد توصله بقرار "توقيف احترازي" صادر عن المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بمولاي رشيد يوم 24 يونيو 2025...
انظروا إلى صورته، إلى تسريحة شعره، إلى ابتسامته… هل يبدو لكم شابا يفكر في الانتحار…؟ ما لا يعلمه الكثيرون من المدبرين، أن قرار التوقيف بالنسبة لشاب في عمره، عار لا يطاق، قد لا يتحمله من في سنه، وأحيانا يفضل الموت على إخبار الأسرة…جرة قلم ليس فيها عين الأب والأخ… قاتلة كبلاغ المديرية الذي قتل معاذ مرة ثانية…. صار مجرد شيء في لغة باردة المشاعر…. بلا قلب ولا دم…. بلا عزاء… غير الهروب إلى تبرير الموت القاسي…
الواقعة المؤلمة أعادت إلى الواجهة موضوع هشاشة الوضع الإداري والقانوني لنساء ورجال التعليم، وسط استسهال إصدار العقوبات، والتنصل من المسؤولية الإنسانية والقانونية في آنٍ واحد... وإصدار بلاغات كأنها تقرير مشرحة لطبيب شرعي...
القرار المؤرخ بتاريخ 24 يونيو 2025، رقم 1842/5، والموجّه إلى الأستاذ معاذ، أشار إلى "توقيف احترازي مؤقت عن العمل ابتداء من 17 يونيو 2025"، وهو ما يُثير جملة من التساؤلات القانونية، أهمها غياب التكييف القانوني الدقيق للأفعال المنسوبة.
القرار يشير إلى "اختلالات وتجاوزات" في أداء المعني بالأمر دون أي تحديد دقيق للأفعال محل المؤاخذة، ولا أي سند قانوني واضح من المرسوم 2.11.621 المنظم للنظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، أو حتى الإشارة إلى مقتضيات الظهير الشريف المتعلق بالوظيفة العمومية (1.58.008)، والأخطر هو غياب الضمانات التأديبية الأولية حيث لا يظهر في القرار أي تفعيل لمساطر البحث الإداري المحايد، ولا أي استدعاء سابق أو محضر استماع، بل تم التوقيف بناءً على "تقرير لجنة إقليمية" مما يضع القرار خارج إطار الشرعية التأديبية ويُدرجه في خانة التعسف الإداري.
وفي السياق ذاته تم خرق مبدأ التناسب والحياد: كيف يمكن اللجوء إلى أقصى إجراء (التوقيف الاحترازي عن العمل) دون المرور بالمراحل التأديبية التدرجية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية؟ ولماذا يُحرم موظف من مزاولة مهامه دون منحه فرصة الدفاع أو حتى معرفة التهم؟ هل فعلاً التوقيف في نهاية السنة الدراسية احترازي؟
فالاحتراز له معنى واحد: استباق ضرر قد يقع في المرفق العام... فهموني... هل الاحتراز منطقي مع انطلاق العطلة؟ أي توقيف هذا داخل عطلة مهنية في زمن تربوي أبيض؟
لنفترض أن كل ما قيل في التقرير من اختلالات صحيح، ألا أحد سأل لماذا؟ بدل كيف نؤدب؟... ربما ما كان يقوم به الأستاذ هو تجلٍ سلوكي لاكتئاب صامت، وقد تحول الشاب المرهق نفسيا وبدنيا، إلى مدرس متنقل على دراجة نارية في مدينة قاتلة للاعصاب...ربما يحتاج إلى المرافقة التفسية والتوجيه لا التأديب.... التدبير الإداري ليس ... مدى التمكن من منظومو مسار وغريزيا وموافاة المديرية بتقارير دورية... وليس مجالس المؤسسة.... والمشروع المندمج، ولا حتى الحصول على اللواء الأخضر... والمؤشر الأخضر في لوحة قيادة برادة.... فهم لا يرون غير الأرقام لا البشر...التدبير... هو مقاربة اجتماعية نفسية....هو سؤال بناء الإنسان لا سؤال تحويل الفعل التربوي إلى مؤشرات بلا روخ....القيادي... يقيم سلوك أفراد فريقه... لا يعاقب... بل يسهل المهام، ويستمع... يشارك... يرمم حتى الصدوع النفسية.... القيادي... يبني الإنسان... لا يخنقه.... التأديب..
لا أحد سأل... ماذا يقع لمعاذ....؟ لأنه كان مختلفا... . قاسيا... عنيفا.... متمردا... كان فقط... يطلب النجدة بأسلوب لا يشبه ما تعودنا عليه... لأن مسار ومدرسة الريادة لا تتحدث عن المدرس اليائس.. المرهق....
ربما كان التوقيف النقطة التي أفاضت... الكأس...
غاب في قسوة التفتيش والبحث عن عناصر الإدانة، سؤال مهني تربوي إنساني: لماذا معاذ له علاقات متوترة مع الجميع؟ ماذا يقع؟... هذا هو السؤال الذي غاب عن كتيبة البحث...؟ عن المديرة....عن اللجنة...؟
لالأدهى من القرار، البلاغ الصحفي الصادر عن المديرية الإقليمية بتاريخ 7 يوليوز 2025، والذي جاء بلهجة بيروقراطية جافة ولا إنسانية، متجردة من أي حس أخلاقي أو تربوي أو اعتراف بمسؤولية مهنية في التعاطي مع الملف... بلا عزاء ولا حتى ديباجة روحية....
البلاغ، الذي أنكر بشكل قاطع أي علاقة بين قرار التوقيف والانتحار، عبّر عن ما يمكن تسميته "لغة إدارية قاتلة"، تحوّل فيها الحدث من مأساة إنسانية إلى خبر إداري تم تبريده بلغة النفي والتبرئة. لم يشر البلاغ لا من قريب ولا بعيد إلى فتح تحقيق إداري أو فتح نقاش حول خلفيات ما جرى، بل اكتفى بنفي "توقيف الأجرة" وتقديم "التعازي"، وكأن حياة الموظف اختُزلت في راتب وصندوق وفاة!
تقول صيغة البلاغ: "لم يتم توقيف راتبه، وتم توصيل راتب شهر يونيو، كما سيتم صرف رصيد الوفاة الخاص بالمرحوم لأسرته..."
وكأن الغاية من البلاغ هي تسوية مالية لإغلاق الملف أخلاقيًا، بدل فتحه قانونيًا وإنسانيًا. لا كلمة عن الأزمة، لا عن الظروف، لا عن الضغط النفسي، لا عن خلل في المعالجة الإدارية.
هذا النوع من اللغة يفتقد للحد الأدنى من الرأفة، ويُبرز انفصال المؤسسة عن الواقع النفسي والاجتماعي للموظفين.
إن هذا الخطاب يُجسّد ما يسميه علم النفس الإداري بـ"الإلغاء الرمزي للضحية": أي تحويل الإنسان إلى ملف إداري مغلق، إلى رقم تأجير، إلى عبارة صامتة: "رحمه الله وتم صرف مستحقاته".
ما حدث للأستاذ معاذ يندرج ضمن سلسلة من التجاوزات التي تعاني منها فئة نساء ورجال التعليم، حيث تتحول المذكرات والتقارير إلى أدوات قمع وتأديب بلا سند قانوني وبسند قانوني لا يراعي خصوصية مهنة تقتات من العمر والصحة والعقل والوجدان....
يا سادة التعليم ليس كأي وظيفة.... إنه قطاع الموت والجنون والقلق والاكتئاب والانتحار والأسقام، والجنود والنكران.... المدرس هو الموظف الوحيد الذي يراقبه الجميع....
التوقيف الاحترازي إجراء استثنائي في القانون الإداري المغربي، لا يُفعّل إلا في حالة "خطر داهم على المرفق العام أو وجود شبهة جنائية واضحة"، وليس أداة للقتل المعنوي... أي خطر هذا في العطلة؟
أين كانت مصالح الموارد البشرية والدعم النفسي للأساتذة؟ لماذا لم تُفعل المساطر المصاحبة عند التبليغ بسلوكات الأستاذ؟ وأين اختفى دور النقابات التعليمية في احتضان الملف قبل أن يتحول إلى فاجعة وطنية؟
إن انتحار أستاذ بعد قرار إداري لا يمكن أن يُطوى ببلاغ ميت لغويًا، بيروقراطيًا، لا يحس ولا يعترف.
غدت ملحة ضرورة فتح تحقيق قضائي وإداري مستقل في ملابسات التوقيف وظروفه مع الكشف عن التقرير الإقليمي الذي استُند عليه في القرار وتفعيل المحاسبة على تجاوز السلطة والمسؤولية إن ثبت وجود إخلالات أو شطط، ومراجعة مساطر التوقيف الاحترازي بما يحترم كرامة الموظف وصحته النفسية.
معاذ لم يكن رقم تأجير فقط، بل كان إنساناً ومربياً له مكانته وسط المدرسة العمومية. ما وقع له ليس حادثاً معزولاً، بل إنذار لوزارة التربية الوطنية لإعادة النظر في علاقتها بمواردها البشرية، وفي روح التعامل مع الأزمات لا جمود النصوص...


تعليقات
0