جريدة تمغربيت|24 ساعة

المهدي بنسعيد يراكم الفشل: من فشل أسطورة جواز الشباب العجيب إلى تبخر سراب مخيمات الجيل الجديد

images – 2025-07-10T192232.614

لا يحتاج المغاربة إلى جلسات استماع برلمانية ولا إلى مناظرات وطنية "عالية الكلفة" كي يدركوا أن التخييم في صيف 2025 قد أصبح مثل "طاجين بلا لحم"، أو بالأحرى "مخيم بلا خيمة"، بعدما قرّر الوزير المهدي بنسعيد أن يوزع " بونجات النوم" قرب السبورات، وأشجار المخيم في إسمنت المدارس، وأن يستبدل ضجيج الطبيعة بصدى الجدران الصفّية.

الوزير الذي تربع على عرش وزارة الشباب والثقافة والتواصل بـ"هالة من الحكي"، وجواز سفره الشبابي نحو "فنلندا الحلم"، يبدو أنه نسي أن التخييم ليس مجرد رقم في جدول Excel، بل هو فلسفة تربوية لها شروطها النفسية، ورمزياتها الرمزية – إن جاز هذا التكرار المتعمد – وأرضها الخصبة خارج أسوار المؤسسة التعليمية، لا داخلها.

كان التخييم، تقليديًا، لحظة تحرر: حرية في الخيار، في الترفيه واللعب والكشف، والظل والشمس، والشاطئ والجيل، نوعا من الهروب المشروع من طقوس السلطة اليومية التي تختزل الطفولة في جدول حصص.

لكن المهدي بنسعيد الذي ازداد وسامة وطلاقة لسان قرّر أن يستورد الفضلء التعليمي لسد النقص البنيوي ، ليحقق الرقم العزيز، فجعل من المؤسسة التعليمية فضاءً شكليًّا للتخييم، في سابقة لم يسبقه إليها إلا من تخيّل "أن الشاطئ يمكن تعويضه بسقف مدرسي ، وأجواء الطبيعة برائحة الكراسات، تحت مظلة شراكات بلا معنى تخييمي.

صارت المدارس الواجمة مسرحًا لاحتفالات هزيلة يُفترض أن تسمي نفسها "مخيمات"، وتحوّلت السبورات السوداء إلى خلفية "لورشة خيال  الظل"، فيما يَعدّ المسؤولونُ الكراسي البلاستيكية كأنها خيام، ويهتفون فرحًا: أنجزنا مخيمًا.

الوزير بنسعيد، في يوليوز 2024، وعدَ أمام مجلس النواب، وهو يلوّح بورقة الإنجاز، بأن المخيمات التي لا تتوفر على "بنية مناسبة" سيتم إغلاقها مؤقتًا، لإعادة فتحها بحلة جديدة. كما وعد بـ80 ألف مستفيد، ثم تطلّع إلى 100 ألف... والأرقام طبعًا لا تكلّ ولا تملّ.

لكن أين هي هذه "الحلة الجديدة"؟ لا أثر لها على أرض الواقع. ما يوجد فعليًّا هو بدائل "كرتونية"، ونُزل تعليمية تقف عاجزة عن توفير شروط  الحياة  الجماعية  التخييمية، وما تم تسويقه كـ"توسيع للعرض الوطني" لم يكن في حقيقته سوى تقليص للمعنى، وقضم من ذاكرة التخييم الجماعي في أحضان الطبيعة.

المدارس لا تتنفس. لا شجرة، لا سماء، لا نار جماعية، لا صوت للحكاية تحت القمر. فقط حيطان، وسبورات، ومكتب المدير يراقب أنفاس "المخيمين". فهل نسمي هذا تخييمًا أم إعادة تدوير بيروقراطي للفضاء المدرسي؟

من الحسيمة إلى تطوان، من خنيفرة إلى آسفي، صدحت جمعيات تربوية بشجاعة نادرة برفضها لهذا البديل المهين. اعتبرت أن التخييم داخل المؤسسات التعليمية ليس فقط تشويهًا للفكرة، بل إهانة لكرامة الطفل.

الفضاء الطبيعي ليس ترفًا، بل شرطًا جوهريًّا من شروط التجربة التربوية. و"الطبيعة" هنا ليست مجرد خضرة، بل سياق نفسي وسيميائي لتفجير الخيال، والمغامرة، وتعلّم العيش الجماعي دون وصاية.

سيمياء المدرسة، كما يذكّرنا علم الدلالة، قائمة على السلطة الرأسية، والانضباط، والترتيب القسري، والجلوس الأبدي على الكرسي... فيما المخيم يُفترض فيه أن يكون فضاءً أفقيا، فوضويًّا بإيجابية، يُعيد ترتيب العلاقة بين الطفل والمحيط.

فهل نُلغي التاريخ التربوي الغني للمخيمات الصيفية لنُرضي نشوة الوزير الرقمية؟ أم نعيد الاعتبار للمعنى الأصلي للتخييم بوصفه تجربة تحوّل نفسي وتربوي؟

لا غرابة أن يتحدث الوزير عن "خدمة عمومية لا يمكن خصخصتها"، ولا أن يعدنا بمناظرة وطنية لإعادة التفكير في مستقبل المخيمات، فالرجل مولعٌ بالكلام المرتّب، وله حس بيانيّ عالٍ في حياكة الوعود.

لكن هل نسينا أن هذه الوزارة نفسها هي من أغلقت المخيمات التاريخية في وجه الجمعيات، وعجزت حتى عن تأهيل ما تبقى منها؟

ولعل المقارنة بسرفانتيس ليست مجانية. فكثيرون يرون أن الوزير يعيش في عالم خاص، يقاتل طواحين الهواء وهو يعتقدها إنجازات، يصنع أمجادًا وهمية في قبة البرلمان بتقارير رقمية لا تنعكس على الأرض.

الداخلية، من جهتها، أغلقت بعض المخيمات حفاظًا على سلامة الأطفال، بينما الإدارة المركزية – وهي المعنية الأولى – كانت غافلة تمامًا عن معاناة الجمعيات التي تشتكي غياب البنية التحتية، والموارد، والتكوين، وحتى النقل... حالة الحسيمة... تعكس وعي مدني برهان التخييم، ويرفض كوميديا الأرقام على حساب الأطفال. 

أما الوزير، فظل يُحدثنا عن أرقام المستفيدين، والميزانيات، وكأن الأطفال أرقام تتراص في جداول الإحصاء، لا أرواح تحتاج إلى تجارب إنسانية فعلية.

الظاهرة التي لا تحتاج إلى مجهر هي عزوف شعبي واضح عن التخييم هذا الصيف. بعض الجمعيات الجادة لم تتكاسل، بل اتخذت موقفًا واعيًا ومسؤولًا، رافضة الانخراط في مسرحية لا تحترم روح التخييم.

والمجتمع المدني لم يعد يستهلك خطابات الوزارة كما كان يفعل سابقًا، بل بدأ يتساءل: أين تذهب هذه الميزانيات؟ أين هي هذه "الحلل الجديدة"؟ وأين هي تلك الخيام التي كانت، يوماً، عتبات لعبور الطفل نحو المواطنة والانفتاح؟

الأطفال اليوم، في كثير من المناطق، يقضون صيفهم بين جدران المنازل أو في الشوارع، لأن الوزارة قررت أن "المدرسة كافية"، بينما الحقيقة أنها ليست كذلك، لا تربويًا، ولا رمزيًا، ولا نفسيًا.

لا نحتاج إلى مسح ميداني لنعلن: التخييم في صيف 2025 مات إكلينيكيًا، قُتل ببطء على يد لغة الأرقام، وسوء التقدير، وضعف الخيال الوزاري.

وإذا كان لا بد من تخليد هذا "الصيف الوزاري"، فليقُل التاريخ إن المخيمات أُغلقت لا بفعل الزلازل أو الأوبئة، بل بفعل قرار إداري يرى في المدرسة شجرة، وفي الجدار سماءً، وفي الطفل رقمًا... لا كائناً حيًّا يحتاج إلى الانعتاق.

وهكذا، نكون قد دخلنا مرحلة "التخييم الورقي"، حيث المخيمات تُعلن في البلاغات، ولا تُقام على الأرض، وحيث الطفل يُمنح تذكرة عبور نحو تجربة لم تحدث قط.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت