مؤشر سياسي آخر دال على عبث الممارسة الديمقراطية بالمغرب، والاستهتار النيابي، تجلى خلال جلسة مصادقة مجلس النواب المغربي، يوم الثلاثاء 22 يوليوز 2025، على قوانين مفصلية في تاريخ البلاد.
حضور ظلال نيابية، واختيار 333 نائب وضعية الكرسي الفارغ، بغياب تنصلوا به من مسؤولية جسيمة ثقيلة وضعها الشعب عاتقهم، فضلوا ألا يكونوا هنا بدل الحضور، لأن لا شيء يلزمهم، حتى القانون الداخلي معطل في هذا الجانب.
الجلسة المخصصة للمسطرة الجنائية الجديدة، وتعديل قانون التراجمة المحلفين، وهيكلة المجلس الوطني للصحافة، تحوّلت إلى ما يشبه جلسة تحنيط دستوري، حضرت فيها النصوص وغاب من يفترض أن يضخ فيها حياة النقاش والمحاسبة. نواب الأمة—أو ما تبقى من حضورهم الرمزي—اختاروا "الغياب التشريعي الطوعي" كأرقى أشكال التعبير البرلماني في زمن الأريحية المؤسساتية.
333 غياب… رقم لا يثير فقط الغضب، بل يصلح لعنوان فيلم رعب بعنوان : "333... اللعنة الديمقراطية". ومع كل جلسة على هذا المنوال، يتقلص البرلمان من مؤسسة سيادية إلى مجرد "استوديو تسجيل" تُمرّر فيه القوانين كأنها إعلانات مدفوعة سلفًا، بلا جدل، بلا تعديلات، بلا حتى مجاملة الصراخ.
وحتى عندما التحق بعض النواب بالجوقة التشريعية المتأخرة، كان التصويت قد تم، وكان النقاش قد وُئد، وكانت المقاعد قد استكانت لفراغها النبيل.
هكذا صودق على قوانين تمسّ حرية التعبير والعدالة الجنائية وميثاق الصحافة… في أجواء تصلح لمصادقة على لائحة الطعام في نادٍ خاص، لا لمستقبل تشريعي لأمة.
أما المادة 395 من النظام الداخلي، التي يفترض أن "تربي" النواب على الحضور عبر تلاوة أسمائهم واقتطاع تعويضاتهم، فقد أُحيلت بدورها على التقاعد الأدبي.
تبرير الغياب هذه المرة كان أن "الكاميرات لم تضبط كل شيء بدقة"، وكأن البرلمان في مهمة استخباراتية لا تتحمل الإحراج.
ولأن المصادقة تمت بلا تصفيق، وبلا مداخلات، وبلا ضمير مؤسسي، فإن "العملية التشريعية" بدت كأنها جراحة دقيقة أجراها طبيب أشعة في غرفة مظلمة، ووقّع تقرير نجاحها ممرض متدرّب.
أين لجنة الأخلاقيات؟ ربما في عطلة مفتوحة هي الأخرى… أو تتابع الجلسات من المصيف عبر البث المباشر، مكتفية بتسجيل النقاط في دفتر الغياب المهني لا البرلماني.
لا يتعلق الأمر بواقعة معزولة، بل بمنظومة تستبطن الغياب كعقيدة عمل. مواطنو هذا البلد يُطلب منهم احترام المؤسسات، بينما المؤسسات تتهرّب من احترام نفسها. والمفارقة أن كل هذا يتم باسم "التمثيلية الديمقراطية"، التي يبدو أنها لم تعد تحتاج إلى حضور ممثليها.


تعليقات
0