وأخيرا ودع سعيد حاجي هذه الدنيا، وخرج منها كما دخل إليها، لا رأسمال له غير ما كتب ولوحات خالدة، وذكرى جميلة في قلوب أصدقائه، وكل من عرفوه، أبي النفس، كريما، أدى غاليا ثمن كبرياء الفرشاة والكرامة… سيظل كرسي سعيد ” الفينيق” في جل لوحاته شاهدا على الخذلان والقهر، ولكنه أيضا علامة فارقة في فن لا يهادن ولا يتسول البهاء.

يفقد المشهد الثقافي المغربي والعربي اليوم أحد أعمدته الفنية والإنسانية، برحيل هذا الفنان التشكيلي المغربي سعيد حاجي، الذي أسلم الروح بعد صراع طويل مع المرض، مخلفًا وراءه مسارًا حافلًا بالإبداع، ومواقف نضالية راسخة في الوجدان الثقافي، وذاكرة فنية ناطقة بهموم الإنسان وقضايا الوطن.
رحيل سعيد حاجي... حين ينطفئ الضوء دون أن يغيب الأثر
لم يكن الراحل مجرد فنان يحمل فرشاة وألوانًا، بل كان ذاكرة حية، ومثقفًا عضوياً تماهى مع قضايا مجتمعه ومحيطه، وكرّس مسيرته الفنية لخدمة الإنسان، دفاعًا عن العدالة والكرامة والحق في التعبير.
ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي، انخرط سعيد حاجي في التجربة التشكيلية المغربية برؤية بصرية متفردة، متأثرًا بالسياق السياسي والاجتماعي لما بعد الاستقلال، ومتشبعًا بروح النضال الثقافي ضد التهميش والنسيان.
الفن كفعل مقاومة... لا كزينة
امتزجت أعمال سعيد حاجي بجمالية الألم، وبشاعرية ملتزمة عكست في عمقها المعيش المغربي والعربي والكوني، وصاغ من خلالها قضايا الذاكرة والهوية والمنفى والتهميش في تشكيلات لونية اختزلت الكثير من الصراعات. وقد اشتهر برمز "الكرسي" في لوحاته، كأداة بصرية مشحونة بدلالات الانتظار والقهر والصراع الرمزي على السلطة، ما جعل أعماله تلقى صدى واسعًا في معارض وطنية ودولية.
شارك حاجي في عدد من التظاهرات الفنية الكبرى، منها صالون الخريف بباريس، وملتقيات عربية في القاهرة ودمشق والبرازيل، كما كُرّم من قبل جمعيات ومؤسسات ثقافية عدة.
وكان من أوائل من نادوا بضرورة الاعتراف الاجتماعي والقانوني بالفنان، حيث ساهم في تأسيس نقابات وهيئات للدفاع عن كرامة المبدعين.
بين التشكيل والشعر... رحلة في الذات والوجدان
لم يكن التشكيل مجال اشتغال سعيد حاجي الوحيد، بل كان أيضًا شاعرًا وروائيًا، خطّ بقلمه نصوصًا إنسانية ذات نفس وجودي. صدرت له دواوين مثل "الكاميكاز"، و*"ذاكرة فينيق"*، كما كتب رواية "أرواح بوزكارن"، حيث عبر عن صراعه مع التهميش والنسيان في لغة مكثفة مشحونة بالرموز.
حمل سعيد حاجي قضايا الجنوب المغربي، وخاصة منطقته بوزكارن، في قلب تجربته الفنية، وجعل من الفن جسرًا للمصالحة مع الذات والهامش والتاريخ.
كانت مواقفه الجريئة من السياسات الثقافية تعكس وعيًا حادًا بدور الفنان كصوت للمقهورين، لا كديكور في واجهات النخب.
دعوة للتضامن الإنساني والتكريم الرمزي
ونحن نودع هذا الفنان الإنسان، ندعو جميع أصدقائه ومعارفه وزملائه، وكل من عرفه أو لمس أثره، إلى المساهمة في تخليد ذكراه، وتقديم واجب العزاء لعائلته وأحبائه. ونلتمس ممن يعرف عنوانه أو مكان الجنازة أن يوافي به المهتمين، حتى لا يُدفن الجمال في صمت.


تعليقات
1