في مساء الخميس الموافق 31 غشت 2025، شهد فضاء الحديقة بفم الحصن، الواقعة في قلب الحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء، حدثًا ثقافيًا استثنائيًا عكس عمق الترابط بين المكان وتاريخه وذاكرته الحية.
تميز الحدث باستضافة منتدى الإبداع والمواطنة بتنسيق مع مقاطعة الحي المحمدي حفل توقيع كتاب "الحي المحمدي: وجوه وأمكنة" للإعلامي والناقد السينمائي حسن نرايس، الذي لطالما كان شاهداً وموثقاً للذاكرة الثقافية والفنية للحي.
هذا الحفل لم يكن مجرد لقاء لتوقيع كتاب جديد، بل كان محطة استثنائية في استدعاء تاريخ حي صنع ثقافته بأيدٍ شعبية وأرواح فنية، سجلها المؤلف عبر صفحات تعكس ملامح الحياة اليومية، النضالات، والإنجازات التي شكلت ذاكرة هذا الحي العريق.
حسن نرايس: شاهد على ذاكرة الحي المحمدي
الإعلامي والناقد السينمائي حسن نرايس، المعروف بشغفه العميق بتوثيق الذاكرة الثقافية والفنية، يعتبر واحدًا من أبرز الأصوات التي تجسد التداخل بين السينما، الأدب، والنقد الثقافي. على مدار سنوات، ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالحي المحمدي، حيث ترسخت في وعيه أهمية الحي ليس فقط كمكان جغرافي بل كفضاء إبداعي وثقافي يحمل بين ثناياه قصص الناس وتاريخهم المشترك.
تُعدّ أعمال نرايس شاهدة على هذا الارتباط الوثيق، فكتاب "وجوه وأمكنة" ليس مجرد مجموعة صور ونصوص، بل هو محاولة حقيقية لإعادة إحياء ذاكرة حي صنعته أيدي صناع الفن والمقاومة والعيش المشترك.
كتاب "وجوه وأمكنة" يرصد بدقة وجوهًا وأمكنة، حكايات إنسانية تجسد حقبة زمنية كان فيها الحي المحمدي منبرًا للإبداع والتلاحم الاجتماعي.
الحي المحمدي: تاريخ فني وثقافي من الجذور إلى الحاضر
الحي المحمدي، أحد أعرق أحياء الدار البيضاء، كان عبر عقود من الزمن مركزًا نابضًا للحياة الثقافية الشعبية والفنية. فهو لم يكن مجرد منطقة سكنية، بل مسرحًا حضاريًا شهد ولادة العديد من الحركات الفنية الشعبية، مسرحًا للمقاومة في زمن الاحتلال، وموئلًا لقيم العيش المشترك والحداثة الاجتماعية.
تتميز ذاكرة الحي بثراء ثقافي متجذر في تفاصيل الحياة اليومية؛ من الأسواق القديمة إلى الأزقة الضيقة، ومن المقاهي التي كانت تستضيف قراء الشعر إلى قاعات السينما التي حملت على شاشاتها أفلامًا تروي قصص الناس وأحلامهم. هذا الحي، الذي شهد ولادة نجوم وأيقونات فنية، لا يزال يحتفظ بسحره الفريد الذي يعكس هوية فنية واجتماعية لا تنفصل عن ذاكرة المغاربة عموماً.
"وجوه وأمكنة": أكثر من كتاب، مشروع توثيقي للحفاظ على الذاكرة
يأتي كتاب "الحي المحمدي: وجوه وأمكنة" في توقيت حساس، حيث تتسارع وتيرة التحديث العمراني في الدار البيضاء، مما يهدد بانقراض العديد من المواقع التراثية والذاكرات الحضرية.
ينطلق نرايس من إيمانه العميق بأهمية توثيق هذه الذاكرة عبر سرد سردي يحمل بين طياته مشاهد واقعية ووجوهًا حقيقية عايشت مراحل مختلفة من تاريخ الحي.
يوثق الكتاب من خلال نصوصه وصوره تلك اللحظات اليومية، التي يبدو أنها عابرة لكنها تشكل في مجموعها نسيجاً غنيًا ذا طابع إنساني وفني. يستعيد نرايس مشاهد الحياة الشعبية، من خلال سرد الوجوه، النكهات، والأماكن التي صنعت
هوية الحي. فالكتاب ينجح في مزج بين الجانب الفني والتاريخي، ليقدم قراءة متوازنة بين الإبداع الفني والذاكرة الجماعية.
ليلة التوقيع: حضور يجمع بين الماضي والحاضر
في خيمة الحديقة بفم الحصن، تجمع عدد كبير من الحضور من مختلف الفئات: كتاب، فنانين، مثقفين، سكان الحي، شباب مهتمون بالثقافة، كلهم كانوا شهودًا على لحظة استثنائية حملت عبق الماضي وتطلعات الحاضر.
الجو كان مشحونًا بالعاطفة والارتباط، حيث تداول الحاضرون مع حسن نرايس حول مغزى الكتاب، مناقشين في رمزيته وأبعاده التي تتجاوز كونه عملًا توثيقيًا فقط إلى كونه وثيقة ثقافية تذكر بأهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية في وجه التطور الذي قد يمحو آثارها.
تحدث المؤلف عن تجربته الشخصية وعلاقته الوثيقة بالحي، مؤكداً أن العمل ليس فقط بحثًا تاريخيًا أو توثيقًا بصريًا، بل رسالة تذكير حية تعيد الاعتبار للحي المحمدي كفضاء ذهني وثقافي.
ملتقى سوق الفنون: ربط الثقافة بالمجتمع المحلي
لقد جسد ملتقى سوق الفنون الذي نظم حفل التوقيع، أهمية الثقافة كوسيلة للتواصل بين الماضي والحاضر، ولعب دورًا أساسيًا في تحريك الذاكرة الجماعية عبر فعاليات تجمع المجتمع المحلي حول قضايا الهوية والتراث.
من خلال مثل هذه الفعاليات، يتحقق دور الثقافة ليس فقط كفن يُعرض أو يُقرأ، بل كفضاء للتفاعل الاجتماعي والسياسي، يعيد تأكيد أهمية الذاكرة في تشكيل الحاضر وبناء المستقبل.
الملتقى الذي يشكل منصة تجمع المبدعين، المهتمين، وأبناء الحي، يعزز الإحساس بالانتماء والاعتزاز بالتراث، وهو ما يتجسد بوضوح في تفاعل الجمهور مع كتاب حسن نرايس الذي يوثق قصة حيهم بصدق وشغف.
إن مساهمات الإعلامي والناقد حسن نرايس في مجال النقد السينمائي والتوثيق الثقافي تعدت حدود الفضاء الإعلامي لتصبح رؤية فنية متكاملة تحافظ على ذاكرة الأمكنة وترصد التحولات الاجتماعية من خلال الفن والأدب.
يمثل نرايس الجسر بين الماضي والحاضر، حيث يسترجع عبر أعماله الأمكنة والوجوه ويحولها إلى سرد حيوي يحمل دلالات سياسية واجتماعية، وهو بذلك يشكل نموذجًا للناقد والإعلامي الذي لا يكتفي بالتحليل بل يساهم في بناء ذاكرة ثقافية حية.
التأثير المجتمعي والتواصل بين الأجيال
من أبرز ما ميز حفل التوقيع هو الحضور الواسع الذي ضم مختلف الأجيال، ما جعل الحدث احتفالًا تفاعليًا بذاكرة حي ارتبطت جذوره بالعائلة، الصداقة، الإبداع، والمقاومة.
تبادل الشباب والكبار الأفكار والقصص حول التحولات التي شهدها الحي، وما زال يشهدها، مع التطلع إلى المستقبل الذي يحتفظ فيه الحي بمحافظته على هويته الثقافية رغم تحديات العصرنة والاندثار.
الحي المحمدي بين الماضي والحاضر
كتاب "وجوه وأمكنة" لحسن نرايس لا يقدم مجرد سرد تاريخي، بل هو وثيقة حية تشهد على حيوية الحي المحمدي في الفضاء الثقافي المغربي، وتذكير بأن الأماكن ليست مجرد مواقع جغرافية، بل كائنات حية تنبض بذاكرة وتاريخ وجغرافيا إنسانية.
في زمن تتسارع فيه التغييرات العمرانية والاجتماعية، يظل هذا الكتاب بمثابة صرخة للحفاظ على الذاكرة ولترسيخ أهمية الفضاءات الثقافية في تشكيل الهوية.
أما حسن نرايس، فقد أكد بكتاباته وأعماله أن الناقد والإعلامي الحقيقي هو من يجعل من الذاكرة والجمال سردًا حيًا ينير الحاضر ويحتضن المستقبل.


تعليقات
0