المواطن المغربي العادي منهك بسعيه المحموم من أجل رغيف الكرامة، تخنقه الأسعار والانتظار والضرائب ورائحة الفساد القاتلة للآمال... يئن تحت وطأة الفقر المستفحل، يعاني من تداعيات غياب العدالة المجالية على عدة مستويات، والتي أخرجت لأول مرة قرى ودواوير في مسيرات اجتماعية...
وسط كل هذا الهم والمصائب... اختارت حكومة عزيز أخنوش أن تُعيد ترتيب أولويات المجتمع : القضية الآن ليست البطالة ولا غلاء الخبز… ولا الصحة ولا الماء.... ولا إيجاد أجوبة عملية لمغرب السرعتين، بل القطط والكلاب الضالة...
ها هو مشروع القانون 19.25، الذي حطّ رحاله في البرلمان مع بداية غشت، كأنه إنجاز حضاري سينقذنا من “الإرهاب الحيواني” الكامن وراء الأرصفة.
القانون، ببساطة، يعلن الحرب على كل مظاهر العطف
العفوي. فإذا صادفت قطة تلعق أصابع الريح بحثًا عن لقمة، وقررت أن ترمي لها بفتات خبز، فانتبه: أنت الآن على عتبة مخالفة قد تُفرغ جيبك من 3000 درهم. وإن أويت كلبًا صغيرًا يرتجف تحت المطر، فقد تستيقظ على طرقات الشرطة، لأنك مارست الرأفة خارج الترخيص الإداري.
هكذا أصبح للمغاربة نوع جديد من الحرية: حرية التفكير في العطف دون تطبيقه، وحرية البكاء على الأرصفة دون أن تلمس الأرصفة من فيها.
إنها فلسفة سياسية مُبتكرة: تأميم المشاعر وتجريم الضمير الحي.
ولأننا في عصر الرقمنة الشاملة، أصرّ المشروع على منح كل حيوان رقمًا تعريفيًا، ودفترًا صحيًا، وإلزام مالكه بالتبليغ عند أي عطسة أو سعال أو حتى انتقاله من غرفة الجلوس إلى الحديقة.
ويمكن أن نتخيل مستقبلًا قريبًا حيث تُطلق الحكومة تطبيقًا للهاتف، يرسل إشعارات: “هام! قطك تحرّك 3 أمتار دون تصريح”.
أما المراكز الموعودة لإيواء الحيوانات، فهي حكاية أخرى من حكايات الخيال البلدي. ستجمع وتقيّم وتعالج وترقم وتفوض، بينما القطط نفسها ستظل تنام على حافة المزابل، مع فارق وحيد: لم يعد مسموحًا لك أن تنظر إليها بعين الرحمة دون غرامة.
إنها بيروقراطية جديدة: تتعامل مع الأرواح كما تتعامل مع الملفات، ومع العاطفة كما تتعامل مع مخالفات السير.
القانون يعاقب من يقتل أو يعذّب الحيوان، وهذا منطقي، لكنه في المقابل يعاقب من يطعمه أو يحميه خارج القنوات الرسمية، وكأن الدولة تقول للمواطن: “دع الحيوان يتعذّب قانونيًا، فنحن نعرف مصلحته أكثر منك”.
حتى أن المواطن صار في هذه الرواية الرسمية متهمًا دائمًا ،إن أطعم، فهو خارج على القانون وإن أهمل، فهو خارج على القانون وإن اقتنى حيوانًا بلا تصريح، فهو خارج على القانون.تخيّل أنك مواطن يسير في شارع الحي، فترى كلبًا جائعًا يمدّ لسانه للهواء، فتستعيد كل مواد القانون في لحظة: هل أتجاهله وأواصل طريقي؟
أم أتصدق عليه وأذهب بعدها لأبيع دراجتي لتسديد الغرامة؟
هكذا يتحوّل العطف الطبيعي إلى جريمة في زمن أخنوش الذي كلابه لا تشبه كلابنا وهي محظوظة... لأنها من طبقة الكلاب العليا....
ولأنه أخنوش لا يعرف هذا التعايش اليومي بين الفقراء و قطط الشارع والكلاب الضالة... رحمة ورأفة... فقد قرر... أن يمنع عجوزا تسعد بلحظة إطعام القطط من طقس يبدد وحدتها.
المفارقة الكبرى أنّ القانون أغفل سكاننا الفعليين في المدن: الجرذان والصراصير والبعوض. هؤلاء مواطنون شرفاء فوق الشبهات، يعيشون بلا أرقام تعريفية، ولا دفاتر صحية، ولا تهديدات بغرامات.
بل يمكن القول إنّ مشروع القانون يُهيّئ مستقبلًا مثاليًا حيث سيعيش الجرذ على فتات المدينة بسلام، بينما يدفع المواطن ثمن حبّه للقط.
على الهامش السياسي، يبدو هذا القانون كأنه تمرين على الانضباط المجتمعي القسري، أن تقبل بالمنع قبل التفكير، وأن تتعلم أن حتى قلبك يخضع لمراقبة جماعية.
فأنت تعيش في زمن أخنوش...حيث القطط تثير استنفار المشرّع، بينما المواطن العاطل لا يثير سوى حبر الإحصاءات، وحيث الأرصفة تنال حماية أشمل من جيوب الناس، وحيث البرلمان يناقش مستقبل الكلاب أكثر مما يناقش مستقبل الأجور... والصحة المريضة، والتعليم الذي سيعيد انتاج جيل من مشاتل الريادة، حيث أقصى ما تتعلم: القراءة والحساب، لا الإبداع والتميز.
في النهاية، يخرج المرء بانطباع أنّ الحكومة تريد أن تجعل الرحمة سلعة مرخّصة، والعطف احتكارًا بلديًا، والضمير الحي خطرًا أمنيًا.ولعل يومًا ما سنشهد خبرًا عاجلًا: “توقيف شبكة سرية متخصصة في تهريب الحليب إلى قطط ضواحي سلا”.
ووقتها، ربما ستفكّر الحيوانات نفسها في رفع شعارات احتجاجية، في مسيرة على الأقدام “ نريد الفتات... نريد الماء..."

تعليقات
1