تزداد الشعارات البراقة عن حقوق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة صخبا، وتكثر مبادرات تتوهم "الدمج" تحت مسميات براقة، لكن يبرز سؤال جوهري: هل جميع هذه المبادرات حقًا تحقق مفهوم الدمج بمضمونه الحقيقي؟ أو أنها مجرد وهم يُخفي وراءه استمرار العزل الاجتماعي واحتكار الرعاية في إطار من الحماية المفرطة؟ المخيم الوطني الدامج في تمارة، الذي يُعرَف بـ"مخيم دامج للتوحد"، هو نموذج معاصر يجسد هذا التناقض.
يُقدم هذا المخيم كفضاء تربوي وترفيهي "آمن ودامج"، لكن مقاربة تربوية متأتية، تظهر مدى الخلط الكبير بين المفاهيم والجهل بمفهوم" المخيم الدامج، ما يُسوّق كدمج هو في الواقع إدماج بمعناه الضيق، أي محاولة إدخال الطفل المختلف في نظام قائم لا يُغيّر من نفسه، وينتهي إلى إنتاج عزلة داخل عزلة.
يُعقد المخيم داخل "دار الأطفال بتمارة" المغلقة. إن تحويل التخييم، بطبيعته روح الحرية والمغامرة في الطبيعة المفتوحة، إلى تجربة محاطة بجدران إسمنتية، مع فضاءات مصطنعة لا علاقة لها بتجربة التخييم، هو تشويه عميق للمفهوم. التخييم هو مساحة تصبح فيها الطبيعة معلمًا أساسيًا لاختبار الذات وتطوير المهارات الاجتماعية، التحرر من المراقبة الدائمة، والعيش العفوي مع الرفاق.
لكن هنا، نجد 40 طفلاً مصابين بالتوحد وسط 40 مرافقًا، إلى جانب 20 إطارًا متخصصًا، يشكلون حقل مراقبة وجدرانًا غير مرئية من العزل داخل الفضاء ذاته. كيف يمكن لك أن تسمي هذا دمجاً حقيقياً؟ إن هذه الأرقام والمؤطرين الكثيرين لا يعنيان اهتمامًا أكبر بسلامة الأطفال فقط، بل يعنيان إخضاع تجربتهم إلى رقابة صارمة تقتل أي فرصة لتفاعل طبيعي أو تطوير مهارات اعتماد الذات وتنمية القدرة على التكيف.
المشكل الأعمق تكمن في التشويش المنهجي بين مفهومي الإدماج والدمج، إذ يتم الخلط بينهما بشكل خطير. الإدماج هو توجيه الطفل المختلف ليأخذ مكانه في مجتمع متجانس ثابت، مع توقع أن يتغير هو بالتكيف مع النظام القائم. فالمخيم المذكور هو صورة نمطية لمثل هذا الإدماج، يقدم خدمات في فضاء معد مسبقًا لا يسمح بتنقل حر أو علاقة طبيعية مع الآخرين.
أما الدمج الحقيقي فهو إعادة تصور النظام ككل، بحيث تستوعب البيئة تنوع الأطفال باختلافاتهم بشكل طبيعي. الطفل المصاب بالتوحد لا يكون في مجموعة خاصة منفصلة، بل يشارك أقرانه غير المصابين في خيام المخيمات العادية، يختلطون في نشاطات مشتركة، حيوات مشتركة تتضح فيها قيمة التنوع والتعايش.
في بيئة دمج حقيقي، تُعد البيئة نفسها والأنشطة والأطر لتقديم دعم مرن، تشجع التفاعل الطبيعي وتعزز القبول والتعاون من قبل الجميع مهما كانت الإعاقة. الدمج إذن هو ليس فقط وجود الطفل المختلف في فضاء، بل تغيّر هذا الفضاء ليتناسب معه ويحتضنه.
استمرار استخدام نماذج مماثلة لنموذج تمارة يكرس وصم الأطفال المصابين بالتوحد كـ"مخلوقات خاصة"، لا تستطيع التعامل مع الفضاء الطبيعي إلا في فقاعات معزولة. هذا يعمق الهوة بينهم وبين المجتمع، ويعيق إدماجهم الحقيقي، حافظًا على النمط القائم من الفصل والوصم.
رفض الدمج الحقيقي في مثل هذه المخيمات يؤكد ضمنيًا انعدام الثقة في قدرة الطفل على التفاعل والتطور ذيياً، ما يؤثر سلبًا على نفسيته، ويعزز شعوره بالعجز والعدم الانتماء. علاوة على ذلك، يغذي هذا التضليل الفكرة السائدة بين العامة أن "الدمج قد تحقق" والإحساس بالرضا الاجتماعي الكاذب، بينما الواقع أن هذا مجرد إعادة تدوير للفصل في صورة إحسان زائف.
الأكثر إيلامًا أن هذه الممارسة تمتص طاقات مالية وبشرية ضخمة (عدد كبير من المرافقين والمتخصصين مقابل عدد محدد من الأطفال) في نموذج لا يصنع تغييرًا مستدامًا، بدلاً من توجيه هذه الموارد إلى تدريب وإعداد المخيمات العامة لجعلها مساحات شاملة للجميع، وإشراك الأطفال العاديين وأسرهم لتعزيز التعاطف والقبول المجتمعي.
يبرز جليًا أن الدمج الحقيقي ليس خيارًا بل ضرورة، يستوجب مراجعة سياسة التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة عبر إعادة تصميم بيئات التربية والترفيه وتأهيل والأطر.
نقطة الانطلاق هي إلغاء فكرة "المخيمات الخاصة" التي انفصلت عن المجال العمومي، وانتقال الأطفال المصابين بالتوحد إلى المخيمات العامة، لتكون هذه المرافق شاملة يستقبل فيها الجميع مع الاختلافات. في هذا الإطار، يجب تدريب المؤطرين على المخيمات على استراتيجيات التعامل مع التوحد، وجعل الأنشطة مرنة تستوعب جميع الأطفال، دون استثناء أو عزل.
كما يتوجب إشراك الأطفال العاديين وزملاء الأطفال ذوي التوحد في برامج توعوية تنمي لديهم مهارات التفاعل الإيجابي والتقبل، يخلق ذلك شبكة دعم طبيعية، ويقلل من التنميط المجتمعي السلبي.
على مستوى الدعم، لا يجب أن يكون مرافقة الطفل بمرافق لكل فرد، بل دعم مركز وموجّه يتسم بعدم التطفل، يُحفّز الطفل على الاعتماد على ذاته وتطوير مهارات التكيف والتفاعل الطبيعي ضمن المجموعة العامة.
إن الدمج الحقيقي هو قضية حقوق إنسانية بامتياز، وليس كرما أو منّة يقدمها المجتمع لأفراده المختلفين. هو تجسيد لمجتمع يحترم التنوع ويحول اختلافاته إلى ثروة بدلاً من حاجز.
ما يحدث في تمارة وما يشبهه من مخيمات "ناجمة" في عزلها المبالغ فيه ليس دمجًا، بل هو إحداث "غيتو" خاص، مشوه لمفهوم الدمج. الاستمرار فيه هو تشجيع للوصم، وإجهاض لطموحات التعايش بين الجميع.
حين نصحو من وهج الشعارات، ونعيد تعريف مصطلحاتنا بوضوح، يمكننا بناء فضاءات حقيقية للدمج، حيث يلتقي الجميع في رحاب الطبيعة، في حضن الطبيعة الداعمة لا جدران إسمنت تحاصرهم. عندها فقط، يصبح التخييم تجربة تنموية حقيقية، والدمج حكاية وواقعًا يوميًا يضمن حق الجميع في الحياة الطبيعية بكل تفاصيلها.
إن مطلب الدمج الحقيقي ليس مجرّد شعار، بل ركيزة لتكاتف الجهود السياسية والتربوية والمجتمعية، وللتحرر من العزلة بعقل مفتوح وقلوب مشمعة على تنوع الحياة وجمالها. هذه هي دعوة اليوم لمن يريد أن يكون حقًا مدافعًا عن حقوق الطفل، في كل مكان وزمان.


تعليقات
0