جريدة تمغربيت|24 ساعة

في أفق حل كنوبس: استمرار معاناة المنخرطين من ذئاب” الصحة الخاصة” أمام أعين المسؤولين

b1289f6518effdd2ca3c64d841aba541_icon

في المغرب، كثيرًا ما تتحوّل التغطية الصحية والاجتماعية إلى شعارات بلا مضمون، وكنوبس ليس استثناءً. فبينما تُروج المؤسسة نفسها للحقوق التي يوفرها المنخرطون من خلال الاشتراكات الشهرية، يكشف الواقع اليومي عن فجوة كبيرة بين ما يُوعد به المواطنين وما يضطرون لدفعه فعليًا. تجربة الولادة في  بعض العيادات الخاصة، مثل  بالدار البيضاء، تجسّد هذه الفجوة بوضوح، حيث تتحوّل الخدمات الصحية من حق اجتماعي إلى عبء مالي كبير على الأسر.

من خلال زيارة ميدانية لأحدى المنخرطات، تم رصد تكلفة الولادة الطبيعية مع الخدمات الأساسية التي تتراوح حول 5700 درهم بعد احتساب فرق كنوبس، وتضاف إليها 250 درهم إذا رغب أحدهم في الإقامة ليلة واحدة. أما بدون إبرة مخدرة، فتصل التكلفة إلى 4200–4500 درهم، وأداء مصاريف هي محددة في التحمل، ككشف  طبيب الأطفال على سبيل الحصر...هذه الأرقام ليست مجرد أرقام، بل دليل واضح على استنزاف المواطنين بطرق ملتوية، وهو ما يطرح تساؤلات جدّية حول فعالية النظام الإداري والرقابي للمؤسسة.

المجلس الإداري… بين المهمة الشكلية والواجب الميداني

رئاسة المجلس الإداري لكنوبس ليست منصبًا شرفيًا، هي في جوهرها مهمة نضالية حقيقية يجب أن تحمي حقوق المنخرطين.

غير أن الواقع يظهر أن أغلب الاتفاقيات الموقعة مع العيادات الخاصة هي اتفاقيات شكلية، غالبًا ما تكون على الورق، دون أن تُترجم إلى حماية فعلية للمواطن.

النتيجة أن الفروقات المالية الكبيرة التي تتحملها الأسر ليست نتيجة للضرورة الطبية، بل نتيجة لغياب الرقابة الفعلية على الأسعار وعلى الالتزام بتغطية الخدمات، وغياب للحس النضالي من جهات حملت إلى مناصبها تاريخيا على أكتاف منظمات نقابية.

بعض العيادات الخاصة، بدورها، تستغل هذا الواقع بلا هوادة، فتصنع “أمر الواقع” المالي الذي يفرض على المنخرط دفع مبالغ ضخمة تفوق كثيرًا التغطية الفعلية للمؤسسة. والأسوأ من ذلك، بفواتير مدلسة، ومصاريف منفوخة.

 المواطن لا يجد أمامه خيارات كثيرة، خصوصًا إذا كان طبيبه الموثوق يعمل فقط في هذه العيادات، ما يحوّل حقه في اختيار الخدمة إلى محرقة مالية لا مفر منها.

الضحية الحقيقية… المنخرط

المنخرط هو الحلقة الأضعف في هذا النظام. هو من يدفع الاشتراكات الشهرية التي تُفترض أن تكفل له تغطية صحية شاملة، لكنه يجد نفسه أمام واقع مُر: الفواتير ترتفع، الخدمات الأساسية تتحوّل إلى عبء، والفرق بين ما يُغطّيه كنوبس وما يُفرض دفعه يدفع الأسرة إلى الاختيار بين الرخاء المالي والاستفادة من خدماتها الأساسية.

تجربة الولادة ليست سوى مثال على مظاهر الاستنزاف المالي التي يواجهها المواطنون. المنخرطون لا يجدون حماية حقيقية أمام الأسعار المفروضة من قبل بعض المصحات الخاصة، ولا يمكنهم الاعتماد على كون المجلس الإداري سيقوم بمهامه على أرض الواقع، لأن كثيرًا من الاتفاقيات الموقعة تبقى حبرًا على ورق، بلا متابعة فعلية، وبلا آليات عقابية ضد التجاوزات المالية.

شهادات واقعية تكشف الفجوة

أحدى المنخرطات تروي تجربتها قائلة: "ذهبت إلى مصحة لولادة طبيعية، وفوجئت بالفواتير بعد خصم فرق كنوبس. رغم أنني كنت منخرطًا، اضطررت لدفع 5700 درهم تقريبًا، وهو مبلغ يفوق بكثير ما كنت أتوقعه. شعرت بأن حقوقي كمواطنة منتهكة."

أما أم أخرى ولدت في مصحة، فتقول: "الفرق المالي بعد خصم التحمل جعلنا نشعر بأن كل المساهمات التي دفعناها طيلة السنوات السابقة لم تقدم أي حماية فعلية. الخيارات محدودة، والخيار الوحيد هو الخضوع لتلك الفواتير المرتفعة."

هذه الشهادات تؤكد أن غياب الرقابة والشفافية يؤدي إلى تحميل المنخرط أعباء مالية غير منطقية، وأن التغطية الصحية تتحول إلى وهم.

الظاهرة ليست حكرًا على الدار البيضاء. في مدن أخرى، مثل مراكش والرباط وطنجة، تراوح الأسعار بين 3500 و5000 درهم للولادة الطبيعية بعد احتساب فرق كنوبس، لكنها غالبًا تتضمن خدمات محدودة أو تتطلب دفع إضافي مقابل خدمات أساس مثل الإقامة أو الإبرة المخدرة وكشف طييب الأطفال.

مثال على ذلك، أحد المستشفيات الخاصة: تكلفة الولادة الطبيعية بعد خصم كنوبس حوالي 4800 درهم، مع رسوم إضافية لكل خدمة من الخدمات التالية: مراقبة طبية، إبرة مخدرة، غرف إقامة... كشف طبيب أطفال..هذا يشير إلى أن المشكلة هي منهجية عامة في التعامل مع العيادات الخاصة، وليست مجرد استثناء في الدار البيضاء.

أسئلة حقيقية تتطلب إجابات

هذه الظواهر تطرح أسئلة أساسية:

1. هل رئاسة المجلس الإداري مجرد منصب شكلي، أم يجب أن تتحول إلى قوة نضالية حقيقية تحمي حقوق المنخرطين؟

2. لماذا لا توجد رقابة صارمة على أسعار العيادات، وضمان للتغطية الفعلية بدل أن تتحول إلى شعار على الورق؟

3. هل من المعقول أن يستمر المواطن في دفع فروقات مالية كبيرة دون أن يتلقى أي تعويض حقيقي أو دعم ملموس؟

4. إلى متى سيظل النظام الإداري للمؤسسة يتفرج على استنزاف المواطنين بدل أن يضع حماية فعلية على جدول أولوياته؟ ربما قد يتدرع بأنه ليس جهة رقابية.... وهذا حق يراد به باطل، فالنضال والترافع الميداني لا يحتاج مرجعية قانونية صرفة.

الغياب شبه الكامل للشفافية والمراقبة يجعل المنخرطين يدفعون الثمن، بينما المسؤولون يحتفظون بالمناصب والاتفاقيات على الورق، دون مساءلة فعلية عن استنزاف المواطنين.

الفساد المالي والخلل الإداري… مسؤولية مشتركة

الظاهرة ليست مجرد أخطاء فردية، بل انعكاس لخلل إداري ونظامي في التعامل مع التغطية الصحية. فالمصحة الخاصة، التي من المفترض أن تكون خدمة إضافية للمنخرط، تتحوّل إلى وسيلة لاستنزاف الأموال “بطرق ملتوية”، كما ورد في الشهادة الميدانية للمنخرطين.

الأسعار المبالغ فيها والخدمات الإضافية المفوترة وهي أصلا في وثيقة التحمل، والتي تُفرض بلا مبرر تحوّل التغطية الاجتماعية إلى وهم، وتكشف غياب أي رقابة فعلية أو إجراءات عقابية ضد التجاوزات.

إن المسؤولية مشتركة بين وزارة الصحة والجهة الرقابية، والمجلس الإداري الذي يجب أن يكون صوت المنخرطين، وبين المصحات الخاصة التي تستغل غياب المراقبة لتحقيق أرباح مفرطة على حساب المواطن.

الحل… نضال ميداني وشفافية كاملة

الحل يبدأ بالشفافية الكاملة والمراقبة الميدانية الحقيقية على العيادات الخاصة، ووضع سقوف مالية واضحة لكل خدمة، وفرض عقوبات صارمة ضد كل تجاوز. المجلس الإداري يجب أن يتحرك ليس كشكل رمزي على الورق، بل كقوة نضالية حقيقية تراقب وتحاسب، وتحمي المنخرط من استنزاف الأموال بطرق غير قانونية أو أخلاقية.

كما أن من حق المنخرطين أن يطالبوا بالحق في اختيار طبيبهم، لكن ضمن حدود تغطية فعلية وشفافة، بعيدًا عن فرضية “الأمر الواقع” التي تفرضها بعض العيادات الخاصة.

يجب أن يكون هناك حوار مستمر بين المنخرطين والإدارة، وتقييم دوري للاتفاقيات للتأكد من أن التغطية الاجتماعية ليست مجرد شعار يُروّج إعلاميًا، بل حماية حقيقية للمال والصحة.

التغطية الاجتماعية ليست مجرد شعار أو اتفاقيات على الورق، بل حق يجب أن يُحترم، وواجب يجب أن يُدافع عنه بنضال ميداني حقيقي. المنخرطون اليوم يدفعون الثمن بسبب غياب الرقابة وغياب الشفافية، بينما المؤسسات الرسمية تكتفي بالتوقيع على اتفاقيات شكلية بلا متابعة فعلية. تجربة الولادة مجرد مثال على استنزاف المواطن، وعلى الحاجة الملحّة لإصلاح جذري يضع حقوق المنخرطين فوق كل اعتبار.

الواجب الإعلامي والاجتماعي يقتضي كشف هذه الفجوة، ومساءلة المسؤولين، وممارسة ضغط حقيقي لضمان أن كل درهم يُدفع من قبل المواطن يعكس حقًا محميًا، لا مجرد استنزاف مالي باسم التغطية الاجتماعية. المواطن لن ينتظر أكثر، والحقائق الميدانية صارخة: الوقت الآن لنضال حقيقي وشفافية لا مواربة فيها.

ربما سيصبح مطلب القطع مع نظام التعاضديات القطاعية ملحا، بالتحول إلى صيغة" التغطية التكميلية " بنفس الشروط والامتيازات وقق نظام واحد موحد، يؤسس للعدالة الصحية للجميع، ونسب موحدة، دون منح فترة زمنية انتقائية، تزيد الطين بلة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

24
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت