في مشهد يبعث على الدهشة والاندهاش، أعلنت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن طلب عروض مفتوح رقم 29/2025، يهدف إلى إعداد تصور لبرنامج "السكن الإيجاري المتوسط" بالمغرب، مقابل مبلغ مالي يفوق 3 ملايين ونصف المليون درهم (3,500,000 درهم)؛ مبلغ يبدو بالغ السخافة إذا ما قورن بالطبيعة النظرية للعمل المطلوب.
المثير للسخرية هنا هو أن الوزارة، التي من المفترض أن تكون بيت الخبرة والكفاءة في هذا المجال، قررت أن تهمش أطرها الداخلية وعقولها المتراكمة والخبرات التي تزخر بها، فتفضل إنفاق هذه الأموال الطائلة على مكتب دراسات خارجي ليعيد صياغة ما يُفترض أنه من اختصاصها ويجب أن تقوم به بنفسها.
هذا القرار لم يكن مجرد غياب ثقة في الأطر الوطنية، بل هو تحوّل مهين لمسؤوليات الإدارة العمومية إلى أشخاص وخبرات خارجية، في حين أن نفس المبلغ كان كافياً لإطلاق مشاريع إسكان حقيقية تخدم المواطن بدل إغراقه بتصورات تُكتب على الورق من بعيد.
إنها مهزلة بامتياز، تبرز كيف يمكن لوزارة كبيرة، تحت ستار “الاستراتيجية والسياسات”، أن تُنفق الملايين على دراسات بحتة لا تلبي حاجة المواطن الملحة ولا تجيب على واقع أزمة السكن. بينما الجامعات والكفاءات الوطنية كانت، ولا تزال، مستعدة لتقديم معرفة حقيقية، رُفضت ونُبذت لتغدق على مكتب خارجي لم تثبت بعد مقدرته على تحويل هذه المبالغ الطائلة إلى واقع ملموس.
إذا كانت هذه هي الصورة التي يُراد بها إدارة المال العام، فلا عجب أن تبقى أزمة السكن تراوح مكانها، وأن يبقى المواطن يتفرج على أضخم صفقات “التصورات” التي لا تسمن ولا تغني من جوع.


تعليقات
230