في سياق سياسي يعلن عن نفسه كمرحلة فاصلة بين زمنين مختلفين، يواصل عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، تنزيل التعليمات الملكية الرامية إلى جعل الاستحقاقات المقبلة محطة نوعية تؤسس لتخليق الأجواء السياسية وتطهير المشهد العام من كل شوائب الفساد.
فالتحضير للانتخابات، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على تعديل المنظومة القانونية والتنظيمية، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة بناء الثقة السياسية والمجتمعية على قاعدة المحاسبة والشفافية، وإرسال إشارات قوية بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.
وفي هذا الإطار علمت مصادر عليمة أن وزارة الداخلية، عبر مصالحها المركزية، وجهت في الآونة الأخيرة استفسارات دقيقة إلى عدد من رؤساء الجماعات الترابية عبر العمال، وذلك بناء على تقارير مفصلة أنجزتها لجان تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية.
هذه التقارير رصدت خلال الأشهر الماضية وقائع بذخ في تدبير صفقات جماعية شملت شراء وكراء سيارات فارهة، ومنح تعويضات مبالغ فيها لنواب ومستشارين، إضافة إلى تجهيز مكاتب وتنظيم تظاهرات في ظروف مشبوهة، حيث ظهرت شبهات تواطؤ بين رؤساء مجالس وموردين وشركات، بعضها في ملكية أقارب وأصهار.
الاستفسارات لم تقتصر على هذين المحورين، بل امتدت إلى ملفات أكثر حساسية، من قبيل صفقات رفض عمال التأشير عليها بسبب مخالفتها لتوجيهات الحكومة المرتبطة بسياسة التقشف، أو لوجود أخطاء شكلية وإجرائية.
ومن بين هذه الصفقات ما تعلق بالتجهيزات غير ذات الأولوية، حيث تجاهل رؤساء جماعات تنبيهات المسؤولين الترابيين بضرورة التركيز على حاجيات أساسية كالماء الصالح للشرب ومشاريع مواجهة آثار الجفاف، وانصرفوا نحو صفقات صنفت في خانة الكماليات، وفي مقدمتها كراء سيارات جماعية واستغلالها بطرق مفرطة.
هذه الخطوات، التي تباشرها وزارة الداخلية بتعليمات مباشرة من الوزير، تكشف عن إرادة واضحة في فتح ملفات ثقيلة، حيث أوضحت المصادر نفسها أن تقارير التفتيش النهائية سترفع إلى الجهات القضائية المختصة، مع توقع سقوط رؤساء جماعات أمام محاكم جرائم الأموال. وهو ما يعني أن الاستفسارات لم تكن مجرد إجراء إداري بل تمهيدًا لمساءلات قانونية صارمة.
ولم تقف التقارير عند كشف أوجه البذخ فقط، بل ذهبت أبعد حين رصدت تضمين دفاتر تحملات خاصة بصفقات جماعية لبنود غير ضرورية، ما فتح الباب لتأويلات قوية حول وجود نية مسبقة لتفصيل الشروط على مقاس شركات بعينها.
وقد تبين من خلال افتحاص العروض التقنية والمالية أن شروطًا معينة لا تتوفر إلا لدى مقاولات محدودة العدد، وأن أسماء هذه المقاولات تكررت في سجلات الفوز بالصفقات داخل جماعات مختلفة.
هذا المعطى عزز الشبهات بوجود محاباة وتلاعبات ممنهجة غايتها ترسية الصفقات على شركات محددة مقابل منافع متبادلة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التقارير المركزية للمفتشية العامة للإدارة الترابية سجلت بوضوح شبهات محاباة في إرساء الصفقات على ثلاث شركات فقط، استفادت من عقود مع أكثر من ثلاث وعشرين جماعة ترابية، في وقت تقدمت فيه مقاولات ناشئة بشكايات رسمية تتهم فيها مسؤولي الجماعات بإقصائها عمدا من المنافسة النزيهة.
هذه الصورة تعكس أن الفساد لم يكن مجرد سلوك فردي، بل تحول لدى بعض المنتخبين إلى منظومة مغلقة تدار من خلال التحالف مع لوبيات اقتصادية محلية.
يرى مراقبون إن ما يقوم به لفتيت اليوم هو أكثر من مجرد تدبير إداري لمخالفات، بل هو إعادة تعريف لجوهر العملية الانتخابية. فالتحضير للاستحقاقات المقبلة لم يعد يعني فقط تحديث اللوائح أو ضبط الآجال أو تهيئة المكاتب، وإنما يعني قبل كل شيء تطهير الحقل السياسي من الممارسات التي شوهت صورة المؤسسات المنتخبة في نظر المواطنين.
إن المقاربة الجديدة قائمة على فكرة أن أي انتخابات في ظل استمرار الفساد هي مجرد مسرحية، وأن بناء ديمقراطية حقيقية لا يتم إلا على قاعدة الأخلاق والمحاسبة.
لقد كان مألوفا أن يترك لرؤساء الجماعات هامش واسع في تدبير الصفقات، وأن يتم التساهل مع تجاوزات تصنف تحت بند الأخطاء الشكلية أو الهفوات الإدارية. لكن ما جرى مؤخرا يعكس إرادة سياسية جديدة تقودها وزارة الداخلية، حيث لم يعد هناك تسامح مع صفقات الكماليات في زمن الجفاف، ولا مع تبذير المال العام على السيارات الفارهة، ولا مع التلاعب في دفاتر التحملات لإقصاء المنافسة العادلة.
إن التحضير الذي يشرف عليه لفتيت هو تنزيل عملي للتعليمات الملكية، التي شددت على ضرورة جعل الانتخابات المقبلة رافعة لإعادة الثقة.
وهذه الرؤية لا تختزل في نصوص القانون التنظيمي رقم 113.14 أو المرسوم الجديد للصفقات العمومية الصادر سنة 2023، بل تتجاوزها إلى جعل المحاسبة شرطا للبقاء في المشهد السياسي. فالمنتخب الذي يبدد أموال جماعته أو يستغل موقعه لترسية الصفقات على شركات الأقارب لم يعد له مكان في الزمن الجديد.
الوزارة بدورها وضعت آلية عملية لتلقي تقارير حول كل العقبات المرتبطة بتنفيذ مرسوم الصفقات العمومية، حيث عمم الوزير تعليماته على الولاة والعمال لحث رؤساء الجماعات على موافاة المديرية العامة للجماعات الترابية بكل الإشكالات عبر بريدين إلكترونيين مخصصين لذلك.
غير أن الجديد هو أن هذه القنوات لم تترك مجرد وسائط بيروقراطية، بل جرى تفعيلها بشكل مباشر لتتبع الخروقات وتغذية عمل المفتشية العامة بوقائع حية، ما جعل آليات الرقابة أكثر قربا وفاعلية.
إن الزمن السياسي الجديد الذي يعلنه لفتيت انسجاما مع الاستراتيجية الملكية في التخليق السياسي من خلال هذه الإجراءات يقوم على مبدأ واضح: لا حصانة انتخابية أمام الفساد.
فالرؤساء الذين يظنون أن أصوات الناخبين تتيح لهم التصرف في المال العام كما يشاؤون سقطوا في فخ التقارير الميدانية. والذين تجاهلوا توجيهات العمال بتركيز الاستثمارات على الأولويات، سيجدون أنفسهم أمام القضاء. أما المقاولات التي اعتادت الفوز بالصفقات تحت غطاء المحاباة فستواجه مساءلات مباشرة حول تكرار أسمائها في ملفات متعددة.
بهذا يصبح التحضير للانتخابات عملية أخلاقية قبل أن يكون تقنية. فالمطلوب اليوم ليس فقط ضمان سير يوم الاقتراع بسلاسة، بل ضمان أن من يصل إلى صناديق الاقتراع هم مرشحون لا تلاحقهم شبهة فساد، وأن المواطنين وهم يدلون بأصواتهم لا يضعون أوراقهم في صندوق مثقوب.
إن الرسالة واضحة: الدولة تريد انتخابات نظيفة، والمجتمع يريد مشهدا سياسيا خاليا من الريع، والملك حدد البوصلة حين أكد أن الديمقراطية لا تبنى إلا على النزاهة.
إن هذه الإجراءات الأخيرة تعكس أن وزارة الداخلية لا تشتغل كجهاز إداري بارد، بل كفاعل تدبيري مسؤول عن حماية المصلحة العامة. ومن خلال تنزيل التعليمات الملكية، يتم رسم ملامح مرحلة جديدة تنتهي فيها ثقافة التسامح مع المخالفين، وتبدأ فيها محاسبة حقيقية تنقل الفساد من مستوى الشبهة إلى مستوى الجريمة.
وبهذا يؤكد لفتيت أن التحضير للانتخابات ليس تعديل النصوص بل تطهير المشهد، ليس هندسة اللوائح بل تخليق الحياة العامة، ليس تسطير التواريخ بل وضع حد لثقافة الإفلات من العقاب.


تعليقات
0