لم يعد وزن الدول يقاس فقط بوفرة الموارد أو حجم الجيوش ولا بتدفق النفط وعلو ناطحات السحاب، بل أضحى مرتبطا بقدرتها على كسب ثقة المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية، وبمدى اندماجها في نظام الشفافية والحكامة والمساءلة.
في هذا السياق هنا يبرز المغرب كمسار منظومة تدبيرية متعدد الأقطاب ترسخ النجاح بفضل الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية الملكية رغم تعثر الدينامية الحكومية.
المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز صورته الإيجابية في المؤشرات الدولية، في وقت تواجه فيه الجزائر تصنيفات متتالية تدرجها ضمن خانة "المخاطر العالية"، ما يعكس خللا بنيويا في نظامها الاقتصادي والسياسي، ويزيد من عزلتها الإقليمية والدولية.
في هذا الصدد عرى تقرير منظمةالشفافية الدولية الصادر مطلع 2024 عن صورة واضحة عن الوضع، فالمغرب في المركز 99 عالميًا، بخسارة بعض النقاط مقارنة بسنوات سابقة، بسبب سوء التدبير الحكومي، لكنه بفضل مبادرات الملك ظل ضمن الخمس الأوائل عربياً، في حين تراجعت الجزائر إلى المرتبة 107، وهو موقع يؤكد غياب الإرادة السياسية لتفكيك شبكات الفساد البنيوي.
الحكومة المغربية اعترفت بالتحديات لكنها أكدت في الآن نفسه أن 76٪ من أهداف الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد تحققت بفضل تنزيل التوجيهات الملكية، ما يعكس دينامية إصلاحية ملموسة، في مقابل صمت جزائري رسمي إزاء تقارير مشابهة تكشف تفشي الرشوة وضعف أجهزة الرقابة.
في ملف غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فقد سجّل المغرب تقدماً لافتاً. تقرير Basel AML Index 2023 وضع المملكة في موقع مريح إقليمياً، بـ 4.69 نقاط على مقياس من عشرة، كإحدى أقل الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عرضة للمخاطر، وطبعا هذا ملف استراتيجي ملكي، ولو رؤية أعلى سلطة في هرم الدولة ما تحقق ذلك نظرا لضعف الأداء لدى الفاعل السياسي الحكومي
الجزائر بالمقابل سجلت 7.22، أي في خانة الخطر الرفيع جداً. هذا الفارق ليس رقمًا فحسب، مبادرات وتوجيهات والاستراتجية المتكاملة الملكية أفرزت ثقة متزايدة من طرف المؤسسات المالية الدولية في المنظومة البنكية المغربية.
رؤية الملك وتدابير رئيس الدولة رغم تعثر الحكومة فتح الباب أمام تدفقات استثمارية واستقرار التحويلات المالية للجالية المغربية.
في الجزائر، القيود البنكية وتضخم سوق الصرف الموازي تكشف هشاشة هيكلية تفاقم من عزوف المستثمرين.
وفي سياق مماثل، احتل المغرب المرتبة 63 عالميًا في مؤشر السرية المالية، مع نقاط قوة واضحة في أنظمة الإفصاح عن المستفيدين الفعليين من الشركات، بما يحدّ من فرص التهرب الضريبي.
الجزائر جاءت في المرتبة 33، أي ضمن الدول التي تمثل خطراً أكبر في هذا المجال.
الفارق يترجم مباشرة إلى صورة دولية: المغرب كدولة منفتحة ومتعاونة مع المعايير العالمية، والجزائر كدولة تميل إلى الانغلاق وإخفاء المعطيات، ما يثير ريبة المؤسسات المانحة والدول الكبرى.
وفي هذا السياق وضمن مجال البنية التحتية ومناخ الأعمال، كشف تقارير Fitch Solutions تبايناً صارخاً. فالمغرب بفضل المشاريع الماكرو-اقتصادية الملكية أنجز مشاريع ضخمة في الموانئ مثل "طنجة المتوسط"، وشبكات السكك الحديدية عالية السرعة، ومشاريع الطاقة الشمسية والريحية، استطاع أن يحقق نقاطاً تجعل منه بلدا جاذبا للاستثمار في قطاع البنية التحتية، إذ تراوحت مؤشرات جاذبيته حول 52.4 نقطة، في مقابل 24.3 فقط للجزائر.
وحسب محللين اقتصاديين دوليين يعكس هذا الفارق رؤية استراتيجية مغربية تراهن على ربط إفريقيا بأوروبا عبر بوابة لوجستية حديثة، ضمن الاستراتيجية الملكية المتكاملة رغم تعثر الأداء الحكومي، فيما تكتفي الجزائر بخطابات سياسية ومشاريع مؤجلة، تعرقلها البيروقراطية والفساد.
الحكامة وسيادة القانون بدورهما يبرزان كعامل حاسم. بيانات البنك الدولي ضمن مؤشرات الحكامة العالمية تشير إلى أن المغرب سجل نسبا متقدمة نسبيا في الجودة التنظيمية ومكافحة الفساد، متجاوزا الجزائر التي لم تتخطّ سقف 30% في بعض المؤشرات الفرعية.
الخروج المغربي من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي شهادة على فعالية الإصلاحات المغربية في ميدان التشريعات البنكية وتمويل الإرهاب ضمن الأوراش الإصلاحية المالية الملكية المفتوحة الكبرى، بينما الجزائر ظلت تعاني حسب عدة مؤشرات دولية من نقص الشفافية، حيث تؤكد التقارير الأممية أن القوانين وضعت لكنها لا تنفذ، وأن القضاء مسيس وضعيف الاستقلالية.
وفي سياق متصل، فتصنيفات Coface، موقع المغرب عند درجة B للمخاطر السيادية وA4 لمناخ الأعمال، وهي مستويات تتيح له الولوج بشروط أقل كلفة إلى الأسواق المالية العالمية. في المقابل، تواجه الجزائر تصنيفا في خانة "المخاطر المرتفعة جدًا"، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع عزوف البنوك العالمية وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب.
هذه الوضعية لا تؤثر فقط على المشاريع الكبرى، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الجزائري الذي يجد صعوبة في الاستفادة من خدمات بنكية متطورة أو في إرسال واستقبال تحويلات مالية بسهولة.
وأكد محللون اقتصاديون أن ثمة أثر مباشر لهذه التصنيفات على موقع البلدين في الخريطة الجيوسياسية. فالمغرب بفضل الاستراتيجية الملكية استطاع أن يتحول إلى شريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجالات الطاقة المتجددة، الأمن، والهجرة، مستفيداً من سمعة دولية متحسنة.
المشروع الملكي أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يحظى بدعم مؤسسات تمويلية دولية، يجسد هذه الثقة. على الجانب الآخر، تعاني الجزائر من عزلة متزايدة، حيث تتردد المؤسسات الدولية في الانخراط في مشاريعها، ليس فقط بسبب أوضاعها الأمنية، بل بسبب صورتها كبلد عالي المخاطر في التقارير الدولية.
ويرى متتبعون أن كل هذه المؤشرات، عند جمعها في لوحة واحدة، تقدم ملامح واضحة لواقع متناقض: المغرب كدولة تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة صاعدة في شمال إفريقيا عبر مسار إصلاحي منفتح ومعترف به دولياً، والجزائر كدولة عالقة في منطق الريع والاعتماد المفرط على النفط والغاز دون قدرة على إصلاح منظومتها المؤسساتية.
الفارق لا ينعكس على أرقام مجردة فحسب، بل على حياة المواطن اليومية، وعلى موقع البلدين في النظام الدولي.
يمكن القول إن المغرب، برغم التحديات وتعثر الأداء الحكومي، يملك اليوم مسارا استراتيجيا يبنى على الإصلاح التدريجي والاندماج في منظومة الشفافية العالمية، وفق رؤية استراتيجية ملكية متكاملة، ما يجعل مستقبله الاستثماري والدبلوماسي أكثر إشراقاً.
في سياق معاكس، بقاء الجزائر في خانة التصنيفات السلبية يهدد قدرتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية والسياسية. ومن هنا يبدو المشهد كلوحة متقابلة: المغرب يكسب الثقة ويستثمر في المستقبل بفضل إدارة ملكية متعدد الأقطاب وبعيدة الرؤية، بينما الجزائر تغرق أكثر في الشكوك والمخاطر.


تعليقات
9