البلاغ الأخير لبعض النقابات المهنية وهيئات ناشري الصحف خرج خديجا معاقا نضاليا بلا روح ولا قضية. ففضحته لغته المحنطة، النمطية، الباردة، التقنية، قبل محركات البحث عن "قياس درجة التحرير بالذكاء الاصطناعي".
هل هي فضيحة؟ نعم، في الشكل قبل الموضوع.فالصحافة بيت الكتابة، والذكاء الاصطناعي تلميذها في اللغة والأساليب، ولا دور له غير التحقق وتوسيع المصادر لربح الوقت. هو ذاكرة الصحافي وليس محبرته. هو نافذته على العالم، لكنه لا يصنع له الرؤية والموقف.
إن فوضت له الموقف، خذلك، أو خدم سيده الخفي في أجندة خوارزيمية مندسة. لهذا، خويا اخشيشن، ورطت الأخوة من نعرفهم من مناضلين وأقلام قوية، فكان البلاغ انتاج آلة رقمية دقيقة: كل كلمة محسوبة، كل حرف مصقول، كل جملة متزنة بلا حرارة، بلا نبض، بلا انسان. التوازن اللفظي والتشاكل هو مقياس الذكي لتعرية تفويض الذكاء الاصطناعي مهمة التعبير عن قضايانا ومواقفنا.
أنت في حيص بيص، حتى الكاتب الرقمي لم يطعك في عض يد من صنعك، يا لجرأة الخذلان. التوقيعات الرسمية على أهميتها، وفيها من نجل وصدمنا، تعطي واجهة براقة، لكنها لا تخفي هشاشة البلاغ، وعجزه على تحريك الرأي العام. التحليل الرقمي يكشف تكرار أكثر من سبعين بالمئة من العبارات المسكوكة.
يا إلهي، أين أختفت بلاغات النقابة الوطنية للصحافة، زمن مجاهد، حيث الحرف بعيار الذهب؟ لغة مهلهلة من باب "استمرار الحكومة في حرق المراحل، التمسك بالمواقف المعلنة، الهيئات مستمرة في التنسيق، والانفتاح على الحوار". كل شيء متكرر، منظم، منمط، يليق لأي نقابة، لأن الكاتب الرقمي لا يفرق بين الصحافي والعامل في بلاغات النقابات.
والنتيجة: بلاغ بلا طعم ولا قضية، ولا أظنه، على الأقل شكلا، يلزم باقي الأطراف. فهو بلا مفاجأة لغوية، النص يمر على القارئ كنسخة مصنعة آليا. ماكر من وجه الكاتب الرقمي، طلب حذف التشكيل، دهاء لإخفاء الفضيحة الرقمية، لكن كل حركة محمية، فضحها معنى واسع العباءة. كل جملة مصقولة كانت لتبدو بشرية الحقيقة، لكن النص ظل بلا أثر بشري، بلا حرارة، بلا غضب، بلا نبض.
التوقيعات الرسمية لم تمنح النص أي وزن، عدا إشفاقنا على أخوتنا الذين صدقوا أن اخشيشن مازال يمثل توجها، على الأقل لغويا قويا. وفيناك، يا مجاهد. بركاتك، يا البقالي. لمن تركتم المشعل؟ لأصابع تستعير مداد الذكاء الاصطناعي؟ يا ويلي، من زمن ولى، ومن زعيم غفا، ومن كرسي تحكم وسطا... ومن أخ خذل...
فالهيئات التي تقف عادة كدرع أمام المشاريع غير المتوازنة صارت اليوم مجرد واجهة لنص رقمي، بلا نبض، بلا حرارة، بلا قدرة على اثارة ضغط أو جدل. المفردات رسمية بنسبة تفوق الثمانين بالمئة، وغياب أي تلميح نضالي أو وجداني واضح، النص صار آلة تهدئ الموقف أكثر من الدفاع عن الصحافة.
ولا أظنك يا اخشيشن تعي تعقيدات هذا الملف أكثر من مجاهد الذي صنعك. فكيف لا تثق فيه؟
تفاصيل البلاغ مثل مواعيد عرض المشروع ولقاءات المجلس الاقتصادي والاجتماعي جاءت بلا طعم بشري، مجرد تفاصيل تقنية. كل شيء جاف، صامت، محسوب، النص حرر ليقرأ مرة واحدة وينسى الواقع المهني للنقابات، خارج الصفحة، يد تلوح، فعلنا ما يجب، وجه آلي متقن، بارد، ينتظر رد الدين.
البلاغ يفضح خللا كبيرا: غياب البعد البشري، لا إشارات للقضايا الخلافية، ولا ذكر للبدائل والمشروع البديل، فقط كنا هناك ومازلنا، حضرت من زاوية آلية، جمل، رسائل لا تصنع تأثيرا ولا أثرا، افتقاد النص للمرونة اللغوية لأنه رقمي ولأي أنسنة في نبرة الجمل فوت على بشرية الحدث.
النص رغم حسن نواياه وحزام السلامة، فهو لا يريد الخروج من اللعبة، ولكنه يرمي بالنرد. فضحه ترتيب عباراته الهشة بلا حرارة، بلا نبض، بلا قدرة على تحريك الرأي العام. كل شيء صامت، منسق، كوثيقة رسمية، لا بيان نضالي. اللاموقف، ولغة التماسك، وسير الله يهديك. التحليل الرقمي يؤكد افتقاده لأي تنوع في البناء اللغوي، أي عنصر مفاجئ، أي تطور أسلوبي.
حذف التشكيل تكتيك لمن جرب هذا المخرب الاصطناعي لإخفاء الكاتب الرقمي. والمحرر الرقمي هو الضحية حين يكون ترامبيا ويطلب منه اخفاء الصراع الحقيقي بين البشر والحجر. فخلف الكلمات وإن بدا كل حرف مراجع، وكل معنى مدبر الموقع، وكل جملة مرتبة لتبدو بشرية، لكن غياب الصفاء اللغوي عرى العري النقابي.
البلاغ مع الأسف يظهر هشاشة المؤسسات حين تسلم صوتها للآلة. قدرة النص الرقمي على طمس النضال وإخفاء التوتر والصراع، لا جدل حولها. التوقيعات الرسمية مجرد غلاف لبلاغ ولد ميتا، بلا حرارة، بلا حضور، وفين يامك يا مجاهد.
يا عبد الكبير اخشيشن! تم تنظيم تكوينات مهمة في استثمار الصحافة للذكاء الاصطناعي، لكن لم نكن نظن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينوب عن العقل النقابي والحماس الجماهيري. بين الموقعين إخوة نعرفهم ونجلهم بمواقف نبيلة وأقلام قوية. لو فوضت لهم تحرير البلاغ لتفوقوا على الذكاء الاصطناعي بصدق الموقف وعمق القضية.
للعلم، لستُ طرفا في هذا السجال. ففي اللجنة المؤقتة رجال ونساء نثق فيهم ولهم تاريخ نضالي، تعرفه جيدا. فلا عيب في الجدل البناء، لكن العيب عليك يا اخشيشن أن ينوب الذكاء الاصطناعي عن كل هؤلاء الصحافيين.
ان الشكل الرسمي صار أهم من الجوهر، وإن قوة البيان من الحقيقية والموقف الذي يولد من الانسان ومن التجربة الصادقة والصراع دون خذلان. البلاغ يكشف عصر الصحافة حين تثق في الذكاء الاصطناعي، فتسقط الحروف في فخ النمطية، وتأتي الكلمات مصقولة بلا هوية.
التوقيعات موجودة، لها وزنها. الكاتب الرقمي حاضر، لكن الانسان، الروح، الحرارة، الغضب، أي تأثير حقيقي غائب. نص لا يسجل غير الحضور، لا يهز، لا يصرخ، رسالة بلا صدى، حضور بلا جدوى.
البلاغ ميت، ولكنه يحاول أن يبدو حي، يحاكي النضال، لكنه لا يذوق قسوة مهنة المتاعب. يحاكي لكنه عاجز أن يكون الصحافي، النقابي، المناضل، المترافع. النص يخفي الكاتب الرقمي خلف وهم مصطنع من الشكل الرسمي. كل شيء محترف بلا نبض، بلا حضور، بلا قدرة على التفاعل. وكل هذا يضع القارئ أمام نص صنعه ذكاء اصطناعي يجهل القضية ولا يعرف المغاربة.
البلاغ هو تجربة رقمية بحتة، تجربة في اخفاء الانسانية خلف التوقيعات الرسمية، تجربة في خلق نص بارد قادر على قول كل شيء بلا معنى، قادر على التظاهر بالنضال بلا موقف، قادر على كشف العري بدل ستره.
يا اخشيشن! هل شاهدت كيف ان النص يلتصق بالورق بدون أي فعل، بدون أي احتجاج؟ البلاغ يحاول أن يكون نافذ موقف، شرفة تصور، لكنه صامت. يحاول أن يكون مؤثرا لكنه بلا أي قوة. يحاول أن يكون صريحا، لكنه مسكر الحروف، مصقول الكلمات، مرتبطة بعناية. لا شيء يخرج عن السطر وكل شيء في النص ميت إلا شكل الكلمات، بركاتك يا أيها الذكاء الاصطناعي.
بين الموقعين رجال ونساء نعرفهم بإرادتهم الصادقة وصدقهم وحرارة مواقفهم، لكن لا يمكن لآلة أن تنوب عنهم. لا يمكن لذكاء اصطناعي أن يحاكي تاريخ نضالي طويل، لا يمكن أن يلتقط حرارة النقابي، ولا حماسه، ولا صدقه.
البلاغ يبدو وكأنه رسالة لجلد الذات، عرض العياء والكسل والعبث، وقبل أن يكون رسالة للصحافيين يبدو وكأنه محاولة لتسجيل الحضور.
كل تحليل رقمي يظهر هشاشة النص، غياب التفاعل، غياب المرونة، غياب التنوع في البناء اللغوي. النص مرتب بمعادلة خوارزيمية، عدا لمسة هنا وهناك. حجم محدد لكل قطعة، مساحة محددة، وكل شيء يسقط الانسانية من بين الحروف.
البلاغ يكشف كيف يمكن للأجهزة الرقمية أن تصنع نصا رسميا صلب الشكل لكن بلا أي روح، كيف يمكن لذكاء اصطناعي أن يحاكي البنية ولكن ليس الجوهر، كيف يمكن للرسائل أن تكون مكتملة ولكن بلا أي حضور بشري.
النص يظل مشابها للنموذج المثالي للبلاغ الرقمي. كل شيء مرتب، كل شيء منظم، لكن كل شيء بارد، كل شيء ميت، كل شيء بلا نبض، كل شيء بلا حضور.
البلاغ، مع كل هذه التوقيعات والهيئات، يبدو كجدار من الصمت يمكن القفز فوقه بسهولة، لا يزعج أحدا، لا يحرك الساكن، لا يخلق موقفا، لا يترك أثرا سوى تعميم خبر حضور واستعادة لكبرياء اخشيشن.
يا لاه، ها أنت حضرت، مبارك مسعود..
لكن لا تنس، الذكاء الاصطناعي حاضر لكنه عاجز عن الاصطفاف مع المواقف البشرية، عاجز عن الغضب، عاجز عن البكاء في جنح الظلاندم، عاجز عن الصراخ في وجه الوجع، عاجز عن الدفاع عن الوطن بلغة الوطن.
البلاغ آلة رسمية مكتملة، ولكنه بلا حياة. النص ميت، لكنه يبتسم للورق، يلوح بلا علامات تشكيل للتضليل، وكأنها حرية مزيفة. كل فاصلة، كل نقطة، كل علامة استفهام تتنفس وهم الحرية، بينما المعنى مجمد، البنية الرقمية التي عطلت صوت الصحافة.



تعليقات
0