جريدة تمغربيت|24 ساعة

مذكرة يونس مجاهد: دعوة إلى ترميم الثقة في التنظيم الذاتي للصحافة… وبنسعيد في امتحان توسيع الثقة

mojahid-benssid
يعيش قطاع الإعلام في المغرب لحظة مفصلية، بعد أن أعيد فتح النقاش التشريعي حول مشروع القانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.

الوزير محمد المهدي بنسعيد، خلال عرضه للمشروع أمام لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، أكد أن النص ما يزال في مساره التشريعي، وأن التجربة السابقة أبانت عن نقائص جوهرية في التنظيم الذاتي، مما يستدعي المراجعة والتجويد.

هذا الاعتراف الرسمي بوجود أعطاب بنيوية يضع وثيقة يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة، في صدارة النقاش العمومي. فالمذكرة التي صاغها وفق مسار مشاورات  موسعة لم تأت من موقع اصطفاف سياسي أو نقابي، ولا تنطلق من حسابات ضيقة أو خلفيات خفية...

بل هي نتاج تجربة تدبيرية جماعية تراكمت عبر سنوات من الاشتغال اليومي داخل المجلس، ومعايشة مباشرة للتحديات التي واجهت الصحافيين والمؤسسة على السواء.

تتميز المذكرة بكونها وثيقة مهنية خالصة، بلا مزايدات سياسوية ولا شعارات جاهزة، بل هي محاولة جدية لإعادة الاعتبار إلى جوهر فكرة التنظيم الذاتي، عبر تعزيز آليات الشفافية والمساءلة، وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار. وهذا ما ينسجم مع أبرز مضامين مشروع القانون الجديد، مثل إحداث جهاز "الجمعية العامة" كإطار يضم جميع الأعضاء، ويمنح شرعية جماعية أكبر للمصادقة على القوانين الداخلية والميثاق الأخلاقيات والميزانية السنوية.

لكن الفرق بين ما تقترحه المذكرة وما يتيحه النص الحكومي يكمن في المنهج: مذكرة يونس مجاهد وفريقه لا تسعى إلى إعادة إنتاج نفس الأعطاب بوجه جديد، بل تدعو إلى تجديد الثقة في المهنة وأهلها، وإعطاء التنظيم الذاتي مضمونه الحقيقي القائم على الاستقلالية والالتزام المسؤول.

ولهذا، فهي تضع أمام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين مسؤولية تاريخية في الإنصات لما تطرحه، بعيدا عن منطق التجاذبات السياسية الخفية أو الاصطفافات الحزبية.

 

هنا بالذات تبرز مسؤولية  محمد المهدي بنسعيد: فالتجاوب مع المذكرة بروح مهنية خالصة، وعدم إدخال النقاش في حسابات ضيقة، سيشكل اختبارا حقيقيا لمدى التزام الحكومة بدعم حرية الصحافة وتعزيز مصداقية مؤسساتها.

الإصلاح، كما تشير المذكرة، لا يمكن أن يكون مجرد تعديلات إجرائية أو تقنية، بل هو مشروع ثقة بين الدولة والجسم الصحفي والمجتمع.

إن السياق الإعلامي الحالي، المطبوع بتحديات التحول الرقمي وانتشار الأخبار الزائفة وتراجع الحدود بين الصحافة والمحتوى العابر، يفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى وجود مجلس وطني قوي ومستقل، قادر على حماية المهنة من الانزلاقات، وضمان حق المواطن في المعلومة الموثوقة.

ومذكرة يونس مجاهد تقدم أرضية قوية لهذه المهمة، لأنها تسعى إلى بناء مؤسسة شفافة، ديمقراطية في قراراتها، مهنية في اختياراتها، محصنة من أي تأثير سياسي مباشر أو غير مباشر.

المذكرة ليست مجرد ورقة تقنية، بل هي دعوة إلى إعادة بناء جسور الثقة في التنظيم الذاتي، وتذكير بأن الصحافة لا تدار بالقرارات الفوقية ولا بالمزايدات السياسوية، وإنما بالمهنية والمسؤولية الجماعية. 

يبقى الرهان الأساسي هو أن يتم التعاطي معها كمرجعية إصلاحية حقيقية، تضع الصحافي في صلب المهنة، وتحمي المواطن من التضليل، وتعيد للصحافة المغربية دورها كسلطة رابعة فاعلة ومؤثرة في خدمة الديمقراطية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

6
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت