الحسون في طريق الانقراض بسبب استغلال الأعشاش ورش المبيدات والتهريب

19 أكتوبر 2021آخر تحديث : الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 12:17 صباحًا
.
بيئة وطبيعة
الحسون في طريق الانقراض بسبب استغلال الأعشاش ورش المبيدات والتهريب
عبد الوهاب بارع

ارتفعت مؤخرا أصوات جمعيات ومهتمين عبر العالم تندد بخطورة الانقراض الذي يتهدد طائر الحسون الأنيق أو الذهبي “الموقنين”، والذي يعتبر من أهم الطيور المغردة وأقدمها استغلالا من طرف الإنسان، لما يتميز به من عذوبة الصوت وجمالية المظهر.
تتعدد الأسباب التي ستقود حتما إلى انقراض هذا الطائر، إذا ما استمر استنزافه من بيئته الطبيعية بالعشوائية الممارسة حاليا في هذا المجال، وبدون تدخل فاعل للدولة.
وفي المغرب بدت علامات النقص الكبير في أسراب هذا الطائر تقلق المهتمين والغيورين على ثروات البلد الحيوانية، وذلك لاسباب متعددة يبقى من أبرزها الاستحواذ على الأعشاش التي تشكل منبع التجدد والاستمرارية لطائر يزين آلاف البيوت المغربية، ويبعث فيها الحياة من خلال تغريداته المتميزة.

الأعشاش مستقبل الطبيعة

ليس هناك أدنى شك في أن الطبيعة تستمد خصوبتها من زخم الحيوانات التي تنفخ الحياة في أوصالها، وتحافظ لها على خصوصيتها ومكوناتها. وصغار الحيوانات امتداد طبيعي للحفاظ على النوع والجنس، وبالتالي الحفاظ على دور الطبيعة نفسها.
وأمام الاستنزاف الذي تتعرض له أعشاش الطيور في المغرب فقد بدا
النقص واضحا على إعداد طائر الحسون “سطايلة”، رفقة أسباب أخرى ساهمت في إبادة غير إنسانية.
وجدير بالذكر أن الصيادين يتعرضون لإغراءات مادية من طرف مستغلي الأعشاش، والمقصود بالأعشاش، مجموعة الفراخ التي فقصت من بيوضها حديثا، ولم ينبت على أجسادها ريش بعد، بل إن عيونها ما زالت مغمضة، حيث يطالبونهم بإحضارها مقابل مبالغ مالية مغرية بالنسبة للأعشاش الأولى أي في بداية موسم التزاوج مع استهلال فصل الربيع، حيث يكون صغار الحسون “ستيباط”، وهم الفراخ الذين ما زالت مناقيرهم صفراء، وما زالت ريشات ذيولهم لم تكتمل بعد، و”القورع” وهم الصغار الذين لم يكتمل نضجهم بعد، أي لم تظهر بقعة حمراء على رؤوسهم، نادرين جدا، لينخفض الثمن تدريجيا بعد ذلك نظرا لوفرتهم فيما بعد.
العش الذي بذلت أنثى الحسون في تجهيزه مجهودا متواصلا لأيام عديدة، مهيأ لاستقبال ثلاث إلى خمس حضانات عبر موسم التزاوج، يضم عادة من ثلاث إلى خمس بيضات، تصير فراخا بعد 13 يوما، وبدورها تكبر
قليلا لتصير قادرة على الطيران بعد ثلاث أسابيع، ويطردها أبواها حينئذ
لتحضير العش لاحتضان دفعة أخرى من البيوض، وثالثة ورابعة وغيرها إلى أن تنعدم الرغبة الطبيعية في التزاوج، أي عند نهاية فصل الصيف.
هذا بالنسبة للحياة العادية من دورة التناسل والتكاثر الطبيعية، ومن هنا يبرز التأثير الواضح لتدخل الإنسان، واستيلائه على العش، ما يفسر الخلل في التوازن الطبيعي، وهذا احد المبررات القوية في استنزاف طائر الحسون، وبالتالي االمساهمة المباشرة في سبل انقراضه.

لماذا الأعشاش؟

يفضل بعض المربين العمل على صغار الأعشاش للتمكن من تلقينهم لغة سليمة، خالية من المقاطع النشاز المرفوضة في المسابقات. وبذلك يرتفع ثمنها كثيرا بالمقارنة مع باقي الطيور من فصيلتها، حيث قد تصل قيمتها إلى ألاف الدراهم، وتكون من نصيب عدد من المولعين الأثرياء المغاربة أو الأجانب، خاصة الإسبان.
يعتمد المربي على طريقة خاصة في العناية بالحساسين الصغيرة، وتغذيتها، وتلقينها المقاطع المنتقاة بعناية. حيث يهيؤون خليطا سائلا من صفار البيض ومواد أخرى، وغالبا ما تكون الحقنة بدون شوكة فاعلة في
الإطعام، وبعضهم يحاول تقليد منقار الأم، بحيث يستخدم عيدان قصبية دقيقة، ويكون الطعام ناعما وغير سائل كثيرا ليسهل التقاطه بالمنقار الاصطناعي.
وتختلف مدة إطعام الصغار حسب سنهم، إذ يحتاجون في البداية إلى التغذية كل نصف ساعة، ثم بعد ساعة ثم ساعتين فما فوق وفق برنامج مسطر بعناية إلى أن تصبح الطيور قادرة على تناول طعامها بنفسها. وفي خلال هذه الفترة لا تتوقف الاسطوانة التي تضم مقاطع التغريد المرغوب فيه عن الدوران، بعضهم يفضل تشغيلها ليل نهار، وأغلبهم يستعين بتقنية خاصة وبرمجة تشغيل الآلة أوتوماتيكيا في أوقات معينة كالصباح الباكر ليكون التلقين فعالا.

العملية تستمر إلى أن يكتمل نضج الطائر بعد تغيير ريشه أو كما يتداول بين المولعين والمربين “يخرج من البدالة ويصفي…”، وهي الفترة الحاسمة للتعرف على نتيجة عمل وجهد دام عدة أسابيع من خلال الاستماع إلى “كلام” الطائر وتحديد ما إذا كان المربي قد نجح في مهمته أم لا. وللإشارة فالنجاح يكون مقرونا بظروف التلقين، حيث يحاولون ما أمكن إبعاد أية أصوات دخيلة يمكن أن يحفظ عنها الصغير، وتعتبر أصوات طائر “تيبيبط” أو “حميريطا” وطائر “الجاوش” من
أشد العوامل المفشلة لنجاح الصغير في حفظ المقاطع المطلوبة، حيث يتميز الحفظ بالسرعة العالية إذا كان الصوت حيا أي من فم الطائر “المخلاب”، كما هو متداول بين المولعين، ولذلك فان بعضهم يستعمل طرقا عديدة تكون أحيانا غير إنسانية كإلقاء السم لها، والسعي إلى قتلها بشتى الوسائل المتاحة.

أسباب أخرى

أمام الضجة التي أثيرت حول موضوع الأعشاش ودورها في المساهمة المباشرة في انقراض هذا الطائر المهاجر، والذي يفضل جزء منه الاستقرار بالمغرب، نظرا لطبيعته المعتدلة، والذي اكتسب خصوصية مغربية جعلته مطلوبا عالميا، فإن بعض المهتمين بالأمر من المربين والباعة يؤكدون أن الاستيلاء على الأعشاش ليس السبب الرئيسي في النقص الهائل لطائر الحسون، حيث أكد بعضهم أن الصيد العشوائي لهذا النوع في مواسم التزاوج أيضا له خطورته الواضحة، إذ لا يتم
فرز الإناث الحاملات للبيض، وكذا الذكور الجاهزين للتلقيح. وقد ذهب بعضهم أبعد من ذلك، حيث تشير المعلومات المتوفرة إلى نفوق أسراب كثيرة تضم مئات الطيور عن طريق رش المبيدات على الحقول والسهول والأشجار خاصة المثمرة منها، مما يعني إبادة جماعية. في حين يشير بعضهم إلى تهريب هذا الطائر إلى دول مجاورة كالجزائر واسبانيا وفرنسا، وبيعها بأثمنة مرتفعة مقارنة مع أسواق المغرب، حيث تفيد بعض المصادر أن مداخيل تجارة تهريب الحيوانات تضاهي مداخيل تجارة المخدرات والسلاح. وهذا ما جعل البعض يصف الضجة الإعلامية بالمغرب حول الأعشاش ليست سوى نتيجة للتعاطي مع الموضوع بسطحية، وعدم إلمام حقيقي بجوانب الموضوع، حيث تم تغييب ذكر عدد من الأسباب.

20140528 193823 - جريدة تمغربيت

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق