عادل الجلابي *
لا يزال مشهد الانتقائية في توجيه الدعوات لحضور المناسبات الثقافية والفكرية، كما حدث في معرض الكتاب بابن أحمد، يثير الكثير من التساؤلات والجدل في الأوساط الثقافية والاجتماعية. إذ يبدو أن هذه التظاهرة، التي يُفترض أن تكون مساحة تجمع بين مختلف الأطياف الفكرية والثقافية، قد تحولت إلى مناسبة انتقائية تخضع لحسابات الولاء والإقصاء، بدلًا من أن تخدم غاياتها الأصلية.
المشهد الحالي: الولاء شرط الحضور؟
إن الإقصاء المتعمد لشخصيات ثقافية وأدبية معروفة فقط لأنها لا تنتمي إلى “الخط الموالي” يبعث برسالة واضحة: “من لا يتفق معنا، لا مكان له هنا”. هذا النهج لا يليق بمعرض ثقافي يُفترض أن يُعزز حرية الفكر والتعبير ويدعم التنوع الثقافي. بل على العكس، هو يعكس أزمة عميقة في إدارة الفعل الثقافي، حيث تصبح الولاءات معيارًا فوق الكفاءة والأفكار.
معاقبة الأحرار: سياسة الصمت المفروض
إذا كان الإقصاء وسيلة لمعاقبة المثقفين الأحرار الذين يرفضون الانصياع، فإنه يكشف عن توجه خطير يرمي إلى تهميش الأصوات المستقلة وحصر الحوارات الثقافية في دائرة مغلقة تحكمها رؤية أحادية. هذه السياسة تؤدي إلى تضييق مساحة الإبداع وتهميش الكفاءات الحقيقية، مما ينعكس سلبًا على المشهد الثقافي العام.
الآثار السلبية على الثقافة المحلية
معرض الكتاب أو أي نشاط ثقافي آخر ليس مكانًا لتصفية الحسابات أو ممارسة الإقصاء. بل هو منبر يجمع الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم أو آرائهم. الانتقائية لا تسيء فقط للمُستبعَدين، بل تُفقد الحدث قيمته ورونقه وتضعف من إقبال الجمهور عليه. كما أن مثل هذه التصرفات تزرع الانقسام وتغلق باب الحوار الذي يُعد أساس أي نهضة ثقافية حقيقية.
دعوة للتغيير
على منظمي مثل هذه الفعاليات أن يعوا أن الثقافة لا تُدار بالإقصاء ولا بالولاء، بل بالانفتاح والشمولية. فالمعرض يُفترض أن يكون منصة تتيح للجميع المشاركة والتعبير عن أفكارهم، بعيدًا عن أي معايير ضيقة أو حسابات شخصية. وحدها الشفافية والموضوعية يمكن أن تعيد الثقة لهذه الفعاليات وتحولها إلى مساحات إبداع حقيقي.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيستمر هذا النهج الإقصائي؟ أم أن هناك أملًا في أن تصبح الفعاليات الثقافية مناسبات جامعة تعكس حقًا التنوع والغنى الفكري الذي تزخر به مجتمعاتنا؟ الإجابة عن هذا السؤال تقع على عاتق الجهات المنظمة وكل من يحمل مسؤولية المشهد الثقافي.
*إعلامي وفاعل حقوقي ونقابي

