بعد أكثر من 17 عامًا من التتبّع القضائي، أُسدلت الستارة رسميًا على ملف “كازينو السعدي” في مراكش، أحد أبرز ملفات الفساد التي شغلت الرأي العام المغربي.
جاء ذلك بعد تسليم النقابي مولاي عبد الرحمان العربي، البالغ من العمر 84 عامًا، نفسه للشرطة القضائية، ليكتمل بذلك اعتقال جميع المتهمين الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية. ويعدّ العربي آخر المتورطين الفارين في هذه القضية، حيث جرى إيداعه سجن لوداية نواحي مراكش، رغم معاناته من تداعيات مرض الزهايمر منذ أكثر من سبعة أشهر، وفق ما أفادت به مصادر مقربة من أسرته.
تعود جذور القضية إلى سنة 2001، حين تم تفويت قطعة أرضية في مراكش بسعر زهيد لا يتجاوز 600 درهم للمتر المربع، في حين أن قيمتها السوقية الحقيقية كانت تتجاوز 15,000 درهم. أثار هذا التفويت جدلًا واسعًا، خاصة أن الأرض تحولت لاحقًا إلى مشروع “كازينو السعدي”، وهو ما دفع جمعيات حقوقية وإعلامية إلى تسليط الضوء على هذه الاختلالات والمطالبة بمحاسبة المسؤولين المتورطين في استغلال النفوذ وتبديد المال العام. وبعد سنوات من التحقيقات والمحاكمات، أصدرت محكمة الاستئناف بمراكش سنة 2015 أحكامًا بالسجن وصلت إلى خمس سنوات في حق عدد من المسؤولين والنقابيين المتورطين في الملف، قبل أن تؤكد محكمة النقض هذه الأحكام في ديسمبر 2024، لتصبح نهائية وواجبة التنفيذ.
لعب الإعلام والجمعيات الحقوقية دورًا حاسمًا في إبقاء القضية حاضرة في النقاش العمومي، حيث مارست ضغوطًا مستمرة من أجل تحقيق العدالة وعدم طيّ الملف قبل محاسبة جميع المتورطين. وبفضل هذا الضغط، سارعت السلطات القضائية إلى استكمال تنفيذ الأحكام الصادرة، ما أسفر عن اعتقال كافة المتهمين الذين كانوا في حالة فرار، وعلى رأسهم مولاي عبد الرحمان العربي، النقابي الذي شغل منصبًا في الاتحاد العام للشغالين بالمغرب. غير أن اعتقاله، في ظل وضعه الصحي المتدهور، أثار تساؤلات حول مدى مراعاة الجوانب الإنسانية في تنفيذ الأحكام، خاصة أن أسرته كانت قد عبّرت عن مخاوفها بشأن تدهور حالته الصحية داخل السجن.
ومع انتهاء الشق الجنائي من الملف، تتجه الأنظار الآن إلى الجانب المدني، حيث يطالب المرصد الوطني لمحاربة الرشوة بضرورة فتح دعاوى لاسترجاع الأموال العامة التي تم تبديدها خلال فترة تدبير بلدية المنارة جليز. ويعتبر هذا التحرك ضروريًا لضمان عدم إفلات المتورطين من المسؤولية المالية، واستعادة الأموال التي تعود إلى ساكنة مراكش. فبالرغم من إغلاق الملف جنائيًا، تبقى مسألة استرداد الأموال العمومية أساسية في تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات، والتأكيد على أن محاربة الفساد لا تقتصر على معاقبة المتورطين، بل تمتد إلى تصحيح الأضرار التي لحقت بالمصلحة العامة.
تظل قضية “كازينو السعدي” نموذجًا صارخًا لكيفية تداخل المصالح الشخصية بالنفوذ السياسي والاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تشكل درسًا مهمًا حول قوة الإعلام والمجتمع المدني في الدفع نحو تحقيق العدالة. وبينما طويت صفحة المتابعات القضائية، فإن التحدي الأكبر اليوم هو ضمان استرجاع الأموال العامة، ومنع تكرار مثل هذه القضايا التي تمس بثقة المواطنين في تدبير الشأن العام.

