يسود ترقب حذر لما ستؤول الخطوة الافتحاصية الدقيقة التي قامت بها لجنة تفتيش مركزية من وزارة الداخلية بزيارة ميدانية مفاجئة إلى جماعة مراكش يوم الأربعاء 8 يناير 2025. وذلك في سياق تحقيقات موسعة حول عدد من الملفات الإدارية والتدبيرية التي أثارت الجدل محليًا.
تلك الزيارة أتت بعد تواتر تقارير حول وجود ثغرات في الصفقات العمومية، تدبير الموارد البشرية، وبرامج التنمية المحلية، ما استدعى تدخلاً مباشراً من الوزارة للتحقق من مدى التزام الجماعة بقواعد الحكامة الرشيدة.
وفقًا لمصادر مطلعة، شملت التحقيقات مراجعة دقيقة للعقود الإدارية المتعلقة بالمشاريع الكبرى، مع التركيز على مشروع “واحة مراكش” السياحي، الذي رُصدت له ميزانية 2 مليار درهم، لكنه لم يعرف أي تقدم ملموس منذ إطلاقه قبل عامين.
كما تطرقت اللجنة إلى شكاوى السكان في أحياء “الداوديات” و”سيدي يوسف بن علي”، حيث أُثيرت شبهات حول منح تراخيص بناء بشكل غير قانوني، ما دفع المفتشين إلى التحقق من مدى مطابقة هذه التراخيص للمعايير القانونية المعتمدة.
وجدير بالذكر أن عملية التفتيش لم تقتصر على الجوانب الإدارية فقط، بل امتدت إلى مقابلات سرية مع بعض الموظفين داخل الجماعة، والذين أشار بعضهم إلى وجود ضغوط لتمرير صفقات دون استيفاء جميع الشروط القانونية.
كما زارت اللجنة مشروع سوق الجملة الجديد، الذي يُشتبه في استفادة بعض المقاولين منه بطرق غير شفافة. وتم أيضاً التدقيق في ملف التوظيف داخل قطاع النظافة، حيث أظهرت تقارير أولية وجود تفاوتات في معايير التعيين، ما أثار مخاوف بشأن اعتماد المحسوبية بدلًا من الكفاءة في التوظيف.
النتائج النهائية للتحقيقات لم تُعلن بعد، لكن مصادر من وزارة الداخلية لم تستبعد أن تسفر عن إرسال إنذارات إدارية لمسؤولين محليين في حال ثبوت تقصير، أو إحالة ملفات معينة على القضاء إذا كشفت التحقيقات عن مخالفات مالية جسيمة. كما قد يتم تعليق بعض المشاريع إلى حين إعادة تقييمها وفقًا للضوابط القانونية.
هذه الزيارة التفتيشية ليست معزولة عن السياق العام، إذ تأتي ضمن إستراتيجية رقابية واسعة أطلقتها وزارة الداخلية منذ نوفمبر 2024، وتهدف إلى رقمنة الإجراءات الإدارية داخل الجماعات الترابية، وتعزيز الرقابة على منح التراخيص من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تفعيل آليات النزاهة والشفافية في الصفقات العمومية.
ردود فعل المواطنين حول هذه الحملة الرقابية جاءت متباينة. فبينما يرى البعض أنها خطوة إيجابية نحو استعادة الثقة في تدبير الشأن المحلي، يعتبر آخرون أن أي إصلاح حقيقي لن يتحقق دون محاسبة صارمة للمسؤولين المتورطين في أي تجاوزات.
ويرى خبراء في الحكامة المحلية أن الزيارات التفتيشية ضرورية، لكنها تبقى غير كافية إن لم تتبعها إجراءات ملموسة تعزز استقلالية الأجهزة الرقابية، وتفرض عقوبات واضحة على المخالفين.
تحركات وزارة الداخلية في مراكش تعكس اختبارًا جادًا لمدى التزام الدولة بتكريس مبادئ النزاهة في التدبير العمومي. لكن يبقى السؤال: هل ستكون هذه الإجراءات مقدمة لإصلاح حقيقي ومستدام؟ أم أنها مجرد خطوة ظرفية سرعان ما تُنسى؟ الأيام المقبلة ستكشف مدى تأثير هذه التحقيقات، وما إن كانت ستحدث فرقًا حقيقيًا في مسار الحكامة المحلية.

