الشباب ليسوا في حاجة إلى شعارات تحلّق في سماء 2030، بل إلى أرض صلبة يقفون عليها الآن. لا يحتاجون إلى وعود بعيدة الأجل، بل إلى قرارات تمسّ حياتهم اليومية، إلى فرصة حقيقية داخل الوطن، لا مجرد خطاب يعِدهم بمستقبل مجهول.
في كل مرة، يخرج مشروع جديد يتحدث عن "إشراك الشباب"، و"تمكينهم"، و"الاستماع إليهم"، لكن سرعان ما يصبح الأمر مجرد ضوضاء انتخابية، يتلاشى مع الوقت كأن شيئًا لم يكن.
جيل اليوم هو الأكثر تعليمًا في تاريخ المغرب، لكنه أيضًا الأكثر مواجهةً للبطالة والتهميش. يمضي سنوات طويلة في الجامعة ليجد نفسه أمام باب موصد بسلسلة من العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي تجعله يشعر بأنه ضيف ثقيل في وطنه... حتى فرصة العمل سقفوها... وكان الأولى تسقيف الأسعار لا الأعمار، تسقيف المواعيد لا الأقدار... تسقيف الانتظارات لا الكلمات.
كل شيء يوحي له بأنه غير مرغوب فيه: من نظام تشغيل يشترط الخنوع وعقود الإذعان والرقيق الجديد، الأجور الاي لا تكفي للعيش الكريم، أقسى من العمل في حقول العبيد مقابل سقف وطعام...حتى الوظائف البسيطة غدت مجرد وهم، مسكن باسم الأوراش والانطلاقة، والدعم ضمن قوانين جامدة لا تعترف بالكفاءة بقدر ما تكرّس العلاقات والوساطات.
السياسة في المغرب، في المقابل، ما زالت تتعامل مع الشباب وكأنهم قُصَّر يحتاجون إلى وصاية دائمة. تُذكّرهم كلما اقترب موعد الانتخابات بأنهم "قوة عددية"، وتحثّهم على المشاركة، لكنها تنساهم تمامًا بعد فرز الأصوات. الوجوه تتكرر، الخطابات لا تتغير، والنتائج تبقى على حالها. يُطلب من الشباب أن يثقوا في السياسة، لكن هل السياسة نفسها أهل للثقة؟
هذا الجيل لا ينتظر الأحزاب حتى تمنحه مقعدًا شرفيًا في قاعات القرار، بل يصنع طريقه بنفسه. يبتكر أساليب جديدة للعمل خارج القنوات التقليدية، يبتكر مقاهي متنقلة في سيارات فيخرج غول اللوبيات، يناقش في فضاءات هامشية بصدق بعيدا عن قاعات البرلمان، في سوق السمك يفتح علبة الأسرار، فيخرج عفريت الاحتكار في أسواق الجملة يفشي ما ظل في الخفاء، فتفتح جهنم الغاضبين، نقتفي بؤسهم حد النحيب في خضم الحملات على الفراشات وعلى الكلمة الحرة، وفي خضم الريح العمياء للمشاريع الكبرى التي تسقط سقوفا مألوفة غصبا وقهرا فتحرم جيل اليوم من هواء الطفولة ومحيط العمل الممكن، جيل اليوم ... ابحث عن انتظاراتهم في أحاديثهم عن تجربة السجون المرة... في كل الأسرار التي تخرج من القهر... في راس الدرب...
في صورهم القاتلة المؤلمة التي تعيد صياغة مفاهيم الخوف والكرامة، وهم يبثونها من مركب مهتز بين عشرات المهاجرين في لجة البحر في دهشة من هذا التجرؤ على الموت، وهم مجرد حالمين بمستقبل أزعر، هروبا من واقع أغبر مر ألبسه أمثال بنسعيد ولو بحسن نية، جلباب أزقة باريس، وكل خلفيات الغرب البعيد المنال..
نجدهم في الطرقات حفاة... عراة.. بل حتى قطاع طرق صنعتهم سياسة المستقبل المؤجل... بعضهم جيل اليوم لا 2030 يبحثون عن أمل على عتبات المصانع القاتمة...في المواقع الاجتماعية... جيل اليوم لا جيل 2030 يتسولون الدواء وسريرا في مستشفيات تمنح مواعيد تسرع الموت...جيل اليوم لا منصات لهم... غير منصات الأحكام...
نجدهم في الأحياء الهامشية وهم يتقاتلون بالسيوف وخناجر الغدر من جنون المهلوسات، إنهم خائفون حد القسوة، ضائعون بختبئون في تجليات العنف...
نتابعهم بأعين خائفة وهم منا على الدراجات النارية يسابقون ريح الجريمة، في المستعجلات نلمس يأسهم وهم يرتقون الجروح بين جدران باردة، بأيدٍ منهكة بالخصاص والقهر المهني...
إن كثرة الندوب على الوجوه، وكثرة الدم المراق... تسائل ثورة الصور واللغة والخلفيات الرقمية، والمنصات الصاخبة... والوجوه الفنية عن جيل اليوم الذي ترك وراء البوابات لا جيل 2030 الافتراضي...
هو شعار فاتن لكنه لا يمنح سريرًا لمريض ولا أملا ليائس... ولا سقفا يتسوله حتى بعض الفنانين... ليس الذين حضروا عرس المهدي بنسعيد.... بل أولائك الذين لا يجيدون غير النظر في الكاميرا والرقص على الركح ومغازلة الألوان بريشة الصبر، ومحاورة الألحان بعيدا عن مظلات الدعم وصخب الملاهي، حتى الكتابة... تخرج من عالمنا الملتبس عارية الأصل بعدما هزمها الريع الثقافي الخفي...
كل شيء معلق...كل شيء يعيش حالة طوارئ غير معلنة.. الفن المسرح.... السينما.. الصحافة... حدثنا عن جيل الطوارئ هذا...!
فهم في معامل القهر مستعبدون لإنتاج رفاهية الغرب بسواعد منهكة، تجدهمزفي المؤسسات التعليمية، حيث تم عزلهم، فتركوا للضياع الممنهج، في دور الشباب الفارغة التي تخلصت من أطرها، وغدت عبئا على مالية قطاع الشباب، ليفكر في التخلص منها بلغة ناعمة" التفويض، التدبير بالشراكة"...
نعم.... كل خروج للدولة الراعية من وظيفتها الاجتماعية، تنحت له مصطلحات براقة، وشعارات مغربية، والعمق واحد: دبروا راسكم...
الشباب يوظّف مواقع التواصل الاجتماعي لخلق اقتصاد موازٍ لا يحتاج إلى إذن من أحد، قد لا يحتاج إلى حزب يرى العالم الرقمي خطرا أزرق...
جيل اليوم...
قبل شيوخ 2030..
ينأى بنفسه بعيدا عن السياسة...لأن فيه كثيرا من الإبداع كبائع السمك الذي هزم الصمت صدفة، لا بفضل دعم المؤسسات، فالبنوك ترفض تمويل مشاريع حالمة، القوانين لا تواكب طموحات الشباب، والبيروقراطية تجعل كل فكرة جديدة تبدو كمعركة مفتوحة مع الأوراق والطوابع والمكاتب المغلقة.
النتيجة؟ هجرة مستمرة نحو الخارج، موت أو ضياع مقنع... فكل هجرة محنة...
يختار جيل اليوم الهجرة ليس فقط عبر القوارب، بل عبر الطموحات التي تجد متنفسها في دول أخرى تقدّر الكفاءات أكثر مما تفعل بلادها. أو الاستسلام لليأس الذي يجعل بعضهم يختار العيش في الظل، بعيدًا عن الأضواء، بعيدًا عن الأمل.
الحل ليس في عنوان جذاب مثل "جيل 2030"، ولا في مؤتمرات تحت الأضواء، بل في تغييرات حقيقية يشعر بها الشباب في حياتهم اليومية. منحهم حقًا حقيقيًا في صناعة القرار، لا مجرد دور ثانوي في مشهد سياسي قديم.
إصلاح التعليم ليكون مساحة للإبداع لا مجرد محطة انتظار. دعم مشاريعهم الناشئة بدل دفنها تحت وثائق بيروقراطية معقدة. منحهم فرصة ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء الوطن، لا مجرد متفرجين على مستقبله.
الشباب لا ينتظر عام 2030 ليبدأ في تحقيق أحلامه، هو يصنع حاضره الآن، رغم كل الصعوبات. السؤال الحقيقي هو: هل ستستيقظ السياسة قبل أن تجد نفسها أمام وطن بلا ذاكرة، وشباب بلا انتماء؟

