في فضاءات السجون التي ترتبط غالبًا في الوعي الجمعي بالعقاب، تتجلى صورة مغايرة بفضل جهود المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، التي أثبتت من خلال النتائج الأخيرة لامتحانات البكالوريا لسنة 2025، أن الإنسان قادر على التغيير والنهوض رغم أصعب الظروف.
فقد أعلن البلاغ الرسمي للمندوبية عن نجاح 962 نزيلاً ونزيلة في امتحانات البكالوريا، بمعدل نجاح عام بلغ 53.44%، مع زيادة ملحوظة قدرها 7.13% مقارنة بالسنة الماضية.
هذا الإنجاز ليس مجرد رقم بل هو ثمرة عمل دؤوب ورؤية إصلاحية رائدة، تجسدها المندوبية التي لا تكتفي بدورها الأمني التقليدي، بل تجاوزته لتكون شريكًا فاعلًا في بناء الإنسان وإعادة إدماجه في المجتمع.
فقد سخرت كل الإمكانيات التربوية والتعليمية في إطار شراكة مثمرة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لتوفير بيئة تعليمية متكاملة داخل المؤسسات السجنية، رغم كل التحديات اللوجستيكية والنفسية.
المندوبية بهذا التوجه الاستثنائي تبعث رسالة أمل واضحة، مفادها أن السجن ليس نهاية المطاف، بل محطة لإعادة البناء والتنمية، وفضاء للإصلاح الحقيقي عبر التعليم والتكوين. ولم يكن ارتفاع نسبة التفوق التي بلغت 33.47% من مجموع الناجحين، وتحقيق زيادة في جودة النجاح بنسبة 11.03%، إلا دليلًا على نجاح السياسات التربوية والإصلاحية التي تبنتها المندوبية.
لقد برهنت المندوبية من خلال هذا الإنجاز على رؤيتها المتقدمة التي تضع الإنسان في صلب العملية الإصلاحية، حيث يُنظر إليه ليس كمجرم فقط، بل كفرد يمكنه استعادة مكانته الاجتماعية والمهنية، مما يعزز السلام الاجتماعي ويقلل من معدلات العودة إلى الجريمة.
هذه النتائج اللامعة هي ثمرة تخطيط استراتيجي وجهود متواصلة من جميع العاملين داخل المؤسسات السجنية، من مشرفين ومدرسين ومختصين نفسيين، عملوا في ظروف استثنائية لضمان حق النزلاء في التعليم والدعم النفسي والتأهيل المهني.
كما تؤكد حرص المندوبية على تطوير برامج مرافقة مستدامة بعد الإفراج، لضمان اندماج فعلي ومستديم للنزلاء في المجتمع.
لا شك أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تستحق الإشادة على هذا الإنجاز الوطني، الذي يعد علامة فارقة في تاريخ المنظومة السجنية المغربية، ويشكل نموذجًا يُحتذى به في مجال الإصلاح والتأهيل عبر التعليم. كما يعكس ذلك التزام المغرب بتعزيز حقوق الإنسان حتى داخل أقسى الظروف، مما يعزز صورته الدولية في مجال العدالة الإصلاحية.
إن المندوبية تثبت مرة أخرى قدرتها على تحويل السجون إلى فضاءات حقيقية للتغيير، وإعطاء فرصة للإنسان ليكتب صفحة جديدة في حياته، معززة بذلك ثقافة الأمل والفرصة الثانية التي هي جوهر أي نظام قضائي إصلاحي.

