في صيف كل عام، يعود مشهد الغطاسين وهم يخرجون الطحالب الحمراء من أعماق سواحل الجديدة، ليطرح مجددًا سؤالًا إنسانيًا واجتماعيًا حارقًا: لماذا لا يزال هذا القطاع البحري الحيوي خاضعًا لمعادلات الريع والاحتكار؟ ولماذا يعيش آلاف المهنيين موسمية هشّة لا تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة؟
قطاع استراتيجي... بلا حماية
تُعدّ الطحالب البحرية، وخاصة من نوع Gelidium، ثروة وطنية مهمة تُستخدم في صناعة الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل. ويحتل المغرب مكانة متقدمة عالميًا في تصديرها، خاصة نحو السوق اليابانية، حيث تُستخرج منها مادة الأغار المستعملة في الصناعات البيوتكنولوجية.
ورغم هذه الأهمية الاقتصادية، فإن من يشتغلون في جنيها يعيشون أوضاعًا هشة. ويشتغل المئات من الرجال والنساء في ظروف قاسية، تتراوح بين خطر الغوص اليدوي وقسوة التجفيف والتسويق، دون عقود رسمية أو تغطية اجتماعية أو تأمين صحي.
من التقنين إلى التهميش
منذ انطلاق العمل بمخطط "تهيئة الطحالب" سنة 2011، والذي هدف إلى ضبط جنيها ومحاربة الاستنزاف، أُوكلت مهمة التسويق إلى نظام "المناولة"، ما فتح الباب أمام فوضى التوسط والمضاربة.
فقد بات المهني مضطرًا لبيع محصوله لوسطاء معيّنين بسعر لا يتجاوز 4 إلى 6 دراهم للكيلوغرام، في حين يُصدَّر المنتوج بأكثر من عشرة أضعاف هذا الثمن.
هذا الفارق المهول في القيمة، والذي لا ينعكس على دخل الغطاس، حوّل القطاع إلى مجال للربح السهل لعدد محدود من المستفيدين، بينما ظل المنتج الحقيقي عرضة للهشاشة والتهميش.
احتجاجات متصاعدة... وصمت رسمي
في هذا السياق، دعا المكتب النقابي المحلي التابع للاتحاد المغربي للشغل (UMT) إلى وقفة احتجاجية يوم الخميس 24 يوليوز 2025 بساحة مسرح عفيفي، من أجل التنديد بـ"منطق الريع والاحتكار" والمطالبة بـ"عدالة اجتماعية حقيقية داخل القطاع"، مؤكدًا في بيانه أن "الاستغلال المفرط للمهنيين عبر نظام المناولة يمثل جريمة أخلاقية واقتصادية في حق الطبقة الكادحة".
النقابة نفسها أكدت أنها راسلت الجهات المعنية منذ بداية يوليوز دون أن تتلقى أي تجاوب، داعيةً إلى حوار جدي يفضي إلى إصلاح عادل لمنظومة التسويق، وربط الدعم المخصص للقطاع بضمان كرامة المهنيين.
يطالب المهنيون اليوم بما يلي باعتماد نظام المزايدة العلنية داخل المكتب الوطني للصيد لتسويق الطحالب بدل الوسطاء وتوفير حماية اجتماعية للغطاسين والعاملين في الجني والتجفيف والنقل مع تخصيص دعم مباشر للمشتغلين الحقيقيين عوض تمكينه من جهات غير منتجة وتوفير وسائل السلامة الطبية والإسعاف، خاصة أن حوادث الغوص ليست نادرة.
بين الاقتصاد المحلي والعدالة المجالية
تشكل الطحالب موردًا اقتصاديًا أساسيًا لعدد من المناطق الساحلية مثل الجديدة، والعرائش، وآسفي، وطانطان، حيث ترتبط بها دورة اقتصادية موسمية تشمل الغطاسين، والتجار، وعمال التجفيف والنقل. ومع ذلك، لم تُدرج بعد ضمن البرامج الوطنية الكبرى كقطاع قابل للتنمية المجالية.
وبدل أن تكون مصدرًا للاستقرار، باتت الطحالب عنوانًا للاحتقان. فكل موسم جني يتحول إلى مناسبة للشكوى والاحتجاج، في ظل غياب إرادة سياسية واضحة لإعادة الاعتبار للمهنة وضمان كرامة أهلها.
البحر لا يبوح إلا للمهمّشين
في وقت تُصدِّر فيه الدولة آلاف الأطنان من الطحالب سنويًا نحو الخارج، لا يزال من يجنيها غائصًا في الهامش، يبحث عن رغيف من موج، وعن كرامة من صخر. ولعل صرخات المهنيين اليوم ليست فقط نداءً للإنصاف، بل أيضًا دعوة إلى الدولة كي تتحرر من منطق تدبير الثروات بمنطق السوق وحده، وتعيد الاعتبار للعمل المنتج والكرامة الإنسانية.

