في مشهد وطني بليغ الدلالة، احتضن كريان سنطرال، أحد المعالم التاريخية العميقة للدار البيضاء، احتفالات عيد العرش المجيد لهذه السنة، حيث امتزجت رمزية المكان بعمق المناسبة، في لحظة احتفاء جماعية جسدت روح الوفاء المتجذر للعرش العلوي المجيد، وعكست في الآن ذاته نضج الوعي الجماهيري وارتباطه العميق بالهوية الوطنية.
جاء الاحتفال من قلب الحي المحمدي، الحي الذي لم يكن يومًا مجرد رقعة جغرافية، بل كان ولا يزال خزانًا للذاكرة الوطنية، ومنبعًا للمقاومة والإبداع، وصوتًا صادحًا في وجه التهميش والاستعمار. هنا، حيث كانت تنبض خلايا المقاومة السرية، وحيث نشأ الفن الملتزم، والموقف السياسي النزيه، والوعي الجماعي، يعود الاحتفال بعيد العرش ليؤكد أن روح النضال لا تموت، وأن الأحياء الشعبية لا تزال حاضنة للوطنية الصادقة.
وقد تميزت التظاهرة بتنظيم محكم ومهنية عالية، بفضل إشراف مباشر من السلطة المحلية، التي تابعت بدقة مختلف مراحل الإعداد والتنفيذ، وسهرت على ضبط التفاصيل اللوجستية والبشرية، إلى جانب الدور الحيوي لعناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة، الذين عملوا بروح مسؤولية عالية على تأمين أجواء الحفل وضمان انسيابيته، دون تسجيل أي تجاوزات أو إخلال بالنظام.
وهو ما ساهم في إنجاح لحظة وطنية حضرها أكثر من خمسة عشر ألف مواطن، إضافة إلى شخصيات مدنية وفعاليات من المجتمع المدني، في أجواء احتفالية رفيعة المستوى.
ما حدث في كريان سنطرال لم يكن مجرد تنظيم لاحتفال رسمي، بل كان فعلًا رمزيًا يعيد الاعتبار لفضاءٍ كان لعقود يُختزل في الهشاشة، فإذا به يتحول إلى منصة للكرامة الوطنية والانبعاث الجماعي. لقد شهدت هذه الأرض ولادات اجتماعية وسياسية وثقافية عصية على المحو، واليوم، مع هذا الاحتفال، تستعيد المكانة التي تستحقها، ليس فقط في الخيال الرمزي، بل في الفعل العمومي والانخراط المؤسسي.
إن عيد العرش، بما يحمله من معاني الاستمرارية والشرعية والوحدة، يجد صداه العميق في الحي المحمدي، حيث الوفاء موروث متجذر، وحيث البيعة ليست طقسًا شكليًا، بل فعلًا واعيًا من شعب يرى في الملكية المؤسسة الضامنة للوحدة والاستقرار، وحاملة لمشروع تنموي يعيد الاعتبار للهوامش، ويكرس الإنصاف المجالي والاجتماعي.
نجاح هذا الحفل هو في جوهره انتصار لمقاربة تشاركية راسخة، تبنتها عمالة مقاطعات عين السبع – الحي المحمدي، حيث برز التناغم بين مختلف المتدخلين: السلطات، الأمن، المجتمع المدني، وعموم المواطنين.
وهو ما يكرّس نموذجًا مغربيًا في التدبير العمومي للأحداث الوطنية، يقوم على الثقة والتعاون وحس الانتماء، ويجعل من الاحتفال مناسبة لتعزيز قيم المواطنة لا مجرد لحظة بروتوكولية.
لقد قال الحي المحمدي كلمته مجددًا. هذا الحي الذي أنجب أجيالًا من المقاومين والمثقفين والمبدعين، وأثبت مرة أخرى أنه خزّان لا ينضب للطاقات الوطنية، وأن ذاكرته المقاومة لا تزال حيّة، وأن أبناءه أوفياء لمسيرة البناء كما كانوا أوفياء لمسيرة التحرير.
ففي كريان سنطرال، لم يُحتفل بعيد العرش فحسب، بل احتُفل أيضًا بكرامة الناس، بتاريخهم، وبقدرتهم على تحويل الهامش إلى مركز، والماضي إلى أفق.



