شهد العالم سنة 1947 ميلادية حدثًا محوريًا تمثل في إعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، بعد قرارات الأمم المتحدة وتقسيم الأرض، وهو حدث أعاد إحياء الجدل الديني والسياسي حول النبوءات القديمة التي تحدثت عن عودة اليهود إلى الأرض التي اعتبروها أرض الميعاد.
ومن أبرز هذه النبوءات ما ورد في سفر إشعياء في الإصحاح الحادي عشر والتاسع عشر، وما يقابله من النصوص القرآنية البالغة الدقة في سورة الإسراء.
القرآن الكريم لا يقرّ كل ما ورد في كتب بني إسرائيل، بل يوضح في غير ما موضع أنّ بعض نصوصهم حُرّفت، كما في قوله تعالى:.﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46].
لذلك، فإن الباحث المسلم لا يمكنه اعتماد التوراة وحدها لتفسير الوقائع التاريخية، بل يجب أن يعتمد على الموافقات القرآنية لما ورد فيها، لأن كل ما جاء في القرآن هو الحق، وما وافقه من التوراة فهو صحيح، وما خالفه أو زاد عليه فإما محرف أو متشابه لا تقوم به حجة.
1. العلو الأول والفساد الأول لبني إسرائيل
يخبرنا الله تعالى في مطلع سورة الإسراء عن سنّة ربانية واضحة في تاريخ بني إسرائيل:.﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. هذه الآية تؤسس لمعادلة تاريخية متكررة: فساد في الأرض، وعلو كبير ومؤقت فعقوبة إلهية تنهي هذا العلو.
وتوضح الآية الموالية طبيعة العقوبة في المرة الأولى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5].
وقد أجمع المفسرون أن هذا العقاب وقع على يد قوى عسكرية جبارة كجيوش بختنصر البابلي، التي اجتاحت أرض فلسطين، وخربت الهيكل، وسبت اليهود إلى بابل، وهو ما يمثل العلو الأول ثم السقوط الأول.
2. العلو الثاني وبداية الدولة الحديثة
بعد قرون من الشتات، وبعد المحرقة الكبرى في أوروبا، أُعلن قيام دولة إسرائيل الحديثة. وهنا تتقاطع الأحداث مع قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6]. هذا النص القرآني دقيق جدًا:
ردّ الكرة: عودة السيادة إلى اليهود بعد الشتات.
الأموال والبنون: دعم اقتصادي وعسكري وسياسي هائل من قوى الغرب.
كثرة النفير: التفوق العسكري والتقني الذي مكّنهم من فرض وجودهم وسط محيط عربي معادٍ.
ويتفق ذلك مع ما يذكره سفر إشعياء الإصحاح 11 عن جمع شتات إسرائيل من أطراف الأرض ورفع رايتهم، وهي إشارة تلمّح إلى الهجرة الجماعية الكبرى لليهود من أوروبا وروسيا والعالم العربي نحو فلسطين بين 1882 و1948.
3. الوعد بالآخرة ونهاية العلو الثاني
يؤكد القرآن أنّ هذا العلو الثاني مؤقت كسابقه، ويُختم بعقوبة شاملة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].
المسجد المقصود هنا هو المسجد الأقصى، والعباد الذين يبعثهم الله قد يكونون قوة إيمانية وجهادية كما كان الحال في المرة الأولى. وبذلك تتضح السنّة الربانية: علو بعد فساد، يليه سقوط بيد عباد لله أقوياء.
4. الإصحاح 19 من سفر إشعياء: رعب مصر والنبوءة الغامضة
يطرح الباحثون سؤالاً خطيرًا:.هل ستمتد هيمنة إسرائيل الحديثة إلى دول الجوار كما ورد في أسفارهم؟ يأتي الإصحاح 19 من سفر إشعياء، المسمى "إصحاح القلب"، بنص مثير يتحدث عن جفاف منابع النيل وصعوبات اقتصادية واجتماعية في مصر، يصف رعبًا مصريًا من مجرد ذكر اسم "مملكة يهوذا" ويلمّح إلى أزمة كبرى تدفع المصريين للتضرع إلى الرب، ثم يأتي خلاص بعد فتنة عظيمة..هذا النص يترك الباب مفتوحًا أمام التأويل:.هل هو وصف للحروب السابقة بين إسرائيل ومصر (1956-1973)؟ أم أنّه يشير إلى أحداث مستقبلية قد تتعلق بالمياه والسيادة والاضطرابات الإقليمية؟
5. التوافق بين النبوءتين والواقع الجيوسياسي
إذا جمعنا بين ما جاء في سورة الإسراء وما جاء في سفر إشعياء نجد مسارًا متقاربًا:
1. جمع شتات إسرائيل وعلوها الثاني.
2. فسادها في الأرض وممارسة الاحتلال والتوسع.
3. رعب إقليمي وصراعات مع الجوار.
4. انقلاب الموازين في النهاية وسقوط الهيمنة.
والقرآن، بخلاف أسفار اليهود، يقدّم سنّة واضحة: أن العلو يعقبه هبوط إذا استحكم الفساد، وأن نهاية الظلم حتمية. وهو ما يجعل قراءة الواقع المعاصر من منظور قرآني أكثر توازنًا وأبعد عن التهويل الذي تمارسه الإسرائيليات.
6. رسالة للإنسانية
في ختام هذا التحليل، تتأكد حقيقة واحدة:.إنّ القرآن قد سبق كل الوثائق الدينية والتاريخية في وضع سنن إلهية تحكم حركة الأمم: لا بقاء لظلم ولا استمرار لعلو قائم على الفساد.ونهاية كل طاغية إلى زوال.
إنّ ما يجري في فلسطين اليوم، من مقاومة شعبية ورفض عالمي للاحتلال، قد يكون من مقدمات الوعد الإلهي بزوال العلو الثاني، وعودة الحق إلى أصحابه.
وإهداءً إلى كل محبٍّ للسلام، مهما كان دينه أو معتقده، فإنّ هذه السنن الربانية لا تدعو للكراهية، بل تدعو إلى إدراك أنّ السلام الدائم لا يتحقق إلا بعد رفع الظلم وإحقاق الحق.

