عدوى مسيرة الأقدام لآيت بوكماز تصل ” أوربيع”

Last Update :
عدوى مسيرة الأقدام لآيت بوكماز تصل ” أوربيع”
خالد أخازي

في المغرب الآخر، ذي السرعة الصفر تنمويا، حيث الجبال أعلى من وعود التنمية، وحيث الدواوير تحرس صمتها منذ عقود، انطلقت مسيرة أوربيع نحو ولاية بني ملال، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة آيت بوكماز التي فجّرت قبل أسابيع أسئلة عميقة حول علاقة الدولة بالهامش.

عشرات الكيلومترات يقطعها رجال ونساء وأطفال حفاة أو بأحذية متعبة، حاملين مطالب تبدو بديهية في القرن الحادي والعشرين: ماء صالح للشرب، طرق لفك العزلة، خدمات صحية وتعليمية تحفظ كرامة العيش.

هذا المشهد، بكل رمزيته، ليس مجرد احتجاج اجتماعي عابر، بل تحوّل تاريخي في جغرافية الغضب الشعبي.

لعقود، كانت المدن هي المنصة الأساسية للاحتجاج، حيث الميادين والساحات والصحافة القريبة من الحدث. أما اليوم، فقد كسر نموذج آيت بوكماز تلك المعادلة، معلنًا أن القرى والجبال قادرة على إنتاج فعل احتجاجي صاخب من دون هتاف، وأن "مسيرات الأقدام" صارت لغة جديدة للتواصل مع الدولة حين تصمت قنوات الوساطة.

من منظور سياسي، تشكّل هذه الظاهرة جرس إنذار صريح. فالمحللون الذين حذروا من "عدوى آيت بوكماز" لم يكونوا يبالغون، فمع كل خطوة يقطعها سكان أوربيع نحو بني ملال، تتقلص المسافة بين الهامش والمركز، وتتسع هوة فقدان الثقة في المجالس المنتخبة والأحزاب المحلية التي عجزت عن لعب دور الوسيط.

حين يتحوّل الطريق الجبلي إلى منصة سياسية، فهذا يعني أن المؤسسات التقليدية فقدت قدرتها على احتواء المطالب قبل أن تتحول إلى مسيرات رمزية تهز الرأي العام.

الأمر يتجاوز بعده الاجتماعي إلى البعد الرمزي والسياسي. فهذه المسيرات السلمية، على بساطتها، تضع أخنوش  الذي  بات ليلتين في آيت بوكماخ، أمام سؤال محرج: كيف يمكن أن يُترك مواطن في قلب الأطلس يقطع عشرات الكيلومترات ليطلب شربة ماء أو طريقًا سالكًا؟ وكيف يمكن لحكومة يقودها رجل أعمال وعد بإقلاع اقتصادي أن تغض الطرف عن أزمات تتهدد تماسكها الاجتماعي من الهامش؟

أوربيع اليوم ليست مجرد نقطة على خريطة الأطلس، بل عنوان لمرحلة جديدة من الاحتجاج المغربي، مرحلة تقول إن الصبر القروي ينفد، وإن مسيرات الأقدام قد تتحول إلى لغة وطنية موحدة للهامش إذا لم تجد الدولة الجرأة على مواجهة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بتسكينها بالوعود. فحين يمشي الهامش إلى المركز، يمشي معه تاريخ جديد من الاحتجاج.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الأخبار العاجلة

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept