يبدو أن أحمد عصيد قد اتخذ لنفسه هواية ثابتة: البحث الدائم عن الحقول الملغومة ليمشي فيها حافيا، ثم يتساءل بدهشة: "من وضع الألغام؟".
آخر جولاته كانت في ساحة "حرية التعبير" التي يقدمها كما لو كانت أرضا بلا أسوار، يستطيع كل عابر أن يحرثها على هواه، حتى ولو كان المحصول المزروع هو بذور الفتنة والازدراء.
قصة ابتسام لشكر وقميصها المزخرف بعبارات مسيئة للذات الإلهية كانت مناسبة مثالية لعصيد كي يخرج أدواته الخطابية من الصندوق، ويتقمص دور "فارس الحرية" في مواجهة "طوفان المقدس". لكنه نسي – أو تناسى – أن الحرية التي لا تضع حدودا لحماية الكرامة الجماعية تتحول إلى عبء لا يطيقه حتى منادوه.
ولأن عصيد يحب أن يتكئ على أمثلة الغرب كما يتكئ شاعر كسول على قافية جاهزة، دعونا نفتح معه كتاب التشريعات الغربية على الصفحات التي لا يقرأها عادة:
فرنسا، بلد الثورة والعلمانية، تعاقب بالسجن والغرامة كل من يسيء علنًا لجماعة دينية إذا كان ذلك يهدد السلم العام (المادة 24 من قانون 1881). وفي 2015، أغلقت السلطات حسابات على تويتر لمجرد نشرها محتوى معادٍ لليهود.
ألمانيا، مهد فلسفة التنوير، لا تتسامح مع الإساءة العلنية للمعتقدات إذا كان من شأنها الإخلال بالنظام العام (المادة 166 من القانون الجنائي). بل إن بعض الولايات تمنع عروضًا فنية إذا تضمن محتواها مساسًا فاضحًا برموز دينية.
كندا، التي يعشقها دعاة "التعددية"، تجرّم خطاب الكراهية الموجه ضد الأديان، حتى لو كان في صيغة مزحة أو فن ساخر.
إذن، لا الغرب ولا الشرق يعترف بحرية مطلقة في هذا الباب. لكن عصيد يريد لنا أن نبتكر ديمقراطية على مقاسه، ديمقراطية تنزع عن المجتمع كل آليات الدفاع عن هويته، بدعوى أن الهوية القوية لا تهتز من "كلمة".
وهنا مكمن المغالطة: فالمقدسات ليست موضوعا لقياس قوة المجتمع من عدمها، بل هي مكون وجودي يشكل لحمة الشعور الجمعي. المساس بها في مجتمع محافظ ليس اختبارًا للنضج، بل مغامرة بسلامه الداخلي. الغرب لم يحمِ رموزه من فراغ، بل لأنه جرّب قرونًا من الحروب الدينية والانقسامات الطاحنة، ففهم أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون مطلقة دون أن تتحول إلى أداة هدم.
مقولة عصيد الشهيرة: "الله لا يحتاج من يدافع عنه" هي محاولة ماكرة لنقل المعركة من ميدان القوانين إلى ميدان العقائد، حتى يبدو المدافع عن المقدسات وكأنه يحاول حماية الله، لا حماية المجتمع.
لكن القوانين ليست موضوعة لحماية السماء من البشر، بل لحماية البشر من بعضهم البعض. وحين يختفي هذا الفهم، يصبح النقاش مجرد استعراض بلاغي في قاعة بلا جدران.
والأغرب أن عصيد نفسه لا يجرؤ على اختبار "مطلقية" حرية التعبير في اتجاهات أخرى. لم نره، مثلا، يطالب بحق أي شخص في التشكيك علنًا في المحرقة اليهودية في فرنسا، أو في إهانة العلم الأمريكي في واشنطن، أو في إنكار المذابح الأرمنية في ألمانيا.
كل هذه أمور تجرّمها قوانين غربية بصرامة، لكنها لا تثير في داخله نفس حرارة الاعتراض التي يحتفظ بها لقوانين حماية المقدسات في المغرب.
هذا الانتقائية الفكرية ليست صدفة، بل هي استراتيجية: التركيز على ما يضعف منظومة القيم المحلية، وتجاهل ما يعززها. وهنا يتبدى التناقض المضحك: الرجل الذي يريد أن يقنعنا أن الديمقراطية هي مساحة حرية بلا قيود، لا يملك الشجاعة ليطبق منطقه على ساحات أخرى غير الدين.
ولكي نكون منصفين، لا أحد يرفض النقاش في حدود حرية التعبير، بل إن النقاش مطلوب. لكن ما يفعله عصيد هو أنه يبدأ النقاش من النتيجة التي يريد الوصول إليها: أي أن المقدسات يجب أن تكون مباحة للسخرية، ثم يبحث عن أمثلة ليبرالية لتزيين هذا الحكم المسبق. هذا ليس حوارًا فكريًا، بل إعلانًا إيديولوجيًا يتخفى في ثوب الحوار.
والحق أن الديمقراطية ليست أداة هدم للموروث، ولا هي مصنع لإنتاج مواطنين بلا ذاكرة، بل هي آلية تنظيمية للتعايش بين المختلفين، بشرط أن يحترم الجميع الأسس التي يقوم عليها العقد الاجتماعي.
ومن دون هذا الشرط، تتحول الديمقراطية إلى حلبة صراع، يفوز فيها صاحب الصوت الأعلى أو الفضيحة الأكبر.
إن ما يدعو إليه عصيد ليس ديمقراطية مغربية، بل نسخة بلا روح من ديمقراطية مستوردة، مثل بدلة رسمية للمشاركة في كرنفال، ورغم ذلك لا تناسب مقاسات صاحبها. وقد رأينا في تجارب أخرى – من العراق إلى ليبيا – ما الذي يحدث حين نقتلع القوانين من جذورها الثقافية.
والسخرية هنا أن عصيد، الذي يسخر من "هشاشة" المجتمع أمام النقد الديني، يتغافل عن أن هذه "الهشاشة" هي نفسها التي تجعله قادرًا على الكلام بحرية في الإعلام، بلا خوف من أن يختفي في ظلام المعتقل كما كان يحدث في عقود سابقة.
إن المجتمع الذي يحمي عصيد من القمع هو نفسه المجتمع الذي يريد عصيد أن يجرّده من قوانينه الحامية. وهذا، في أقل توصيف، كمن يقترح على صاحب البيت أن يخلع بابه لأنه يثق بجيرانه، متناسيًا أن الثقة لا تلغي الحذر.
ما يطرحه عصيد ليس نقاشا في الحرية بقدر ما هو إعادة صياغة لميزان القوى داخل المجتمع لصالح فئة ترى أن الحداثة هي هدم المقدس، وأن التقدم هو في نزع الهيبة عن الرموز التي حافظت على لحمة الأمة قرونًا.
الأمة التي تبيع مقدساتها تحت شعار الحرية، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا بلا مقدسات ولا حرية.
الديمقراطية عقد اجتماعي عاقل، لا مزاد علني على هوية الشعب. وإذا كانت بوصلة عصيد قد تاهت في خرائط خفية لكراهية محولة لغة وخطابا، فالمغاربة لا يزالون يعرفون جيدًا أن الاتجاه الصحيح يبدأ من حماية ما يجمعهم قبل أن يختلفوا على ما يفرقهم.
ورغم ذلك.... نحترم ياكوش... وعقد النكاح تحت قداسته ملزم لك...
خارج النص: الإله "ياكوش" هو اسم أمازيغي قديم يُطلق على الله. يُعتبر "ياكوش" ترجمة لاسم الجلالة "الله" في اللغة الأمازيغية. وقيل أنه كان إلهًا يعبده الأمازيغ قديمًا، ويُعد من أقدم الآلهة التي نزلت شرائع للبشر، حسب ويكيبيديا. ويشير بعض المصادر التاريخية إلى أن "ياكوش" هو الاسم الذي أطلقه البرغواطيون على الله، واعتمده الخوارج الإباضيون في المغرب الكبير كترجمة للكلمة العربية "الله". كما أن هناك رأي آخر يربط الاسم بـ "أمور واكوش" (Amur (n) Wakuc) أي "بلاد الله"، والتي يُعتقد أنها أصل اسم المغرب في بعض اللغات. بشكل عام، يُشير "ياكوش" إلى مفهوم إلهي في الثقافة الأمازيغية، سواء كان اسمًا مباشرًا لله أو مرتبطًا بمفهوم واسع للأرض أو البلاد المقدسة.



