مفهومنا للكرامة يختلف حسب عمق وجعنا وقهرنا وحتى أحلامنا.. فهو ليس قيمة مطلقة، بل سلم متحرك تتلون دلالته مع كل صدمة من صدمات العوز والقهر... ومع السلم الاجتماعي... لهذا لكل كرامته حسب أحلامه... والبعض له كرامة حسب أوهامه...
ما قد يبدو لك أنت إساءة لرضيع مريض حد تفتيت الصخر، هي محطة يأس قصوى لا تقاس بمنطق الأخلاق ولكن بدرجة القهر واليأس والخيبات... هي إفلاس الصبر والأمل... بمعاول اليأس والقهر.... فخذ مفهومك للكرامة إلى سردينيا... فنحن في بلد نحمل مرضانا على الدواب.... ومازالت عندنا الحامل تموت على بوابات الإهمال.
ليس سهلا أن ترفع رضيعك المريض حد الموت بعد أن سدت الأبواب أمامه... لابد أن " الموس وصل للعظم...
ألم تر من باع كرامته... وحول زوجته وجدته وأمه وأباه ونفسه إلى مهرجين وعروض إما درامية أو كوميدية للعيش...؟ من ربى المغاربة على التسول...على العيش بلا كبرياء من أجل لقمة العيش... من أجل فاتورة الماءو الكهرباء والدواء والكراء...؟ بل من أجل وجبة ليلة...؟
هذا أب لم يتسول برضيعه... فقط كان هنا...جريحا... مقهوره.. يبحث عن أمل... فقال بالصورة هذا جري... هذا وجعي... هذا رضيعي... أريد حقه في العلاج... لا غير..؟ من لم يجرب الألم والغبنلا يفتِ في الكرامة... هناك فرق بين من لا يجد ثمن قنينة غاز في منتصف الليل... ومن يطلب عبر الهاتف ليلا... علبة تبغ راق... وعشاء من وليمة الجزر الحالمة... وقنينة تساوي عمل عامل لمدة سنة...
فكرامة الأصفياء من طبقة " الأعيان والكبار" أو من غادروا دروب المعاناة عبر الطريق السريع، قد تختزل في معركة حول تأخر نادل عن تقديم طلبهم، أو في تقديم جعة على مشرب ليس في درجة البرودة المثلى... قد تكون أزمة عابرة عند باب فندق فاخر، حينما يوقفهم حارس الأمن ليسأل عن هويتهم...
قد تكون كبيرا جدا في مجتمعك، فتختبر كرامتك وهي تهتز حين يوقفك شرطي على الطريق ليطالب بأوراقك، بينما يجول في خاطرك سؤال واحد: "ألا يعرف من أنا؟".
في هذا التقسيم الغريب للكرامة، حتى المرض يصبح تجربة مختلفة. فكرامة ذوي النعمة حين يلم بهم الداء قد تحتك بنوعية الغرفة التي يرقدون فيها، وحجم شاشة التلفاز، ووجود شرفة تطل على منظر يسر الناظرين. إنها كرامة تقاس بالمساحات والامتيازات... بدرجة القهر لا بقيمة مطلقة...
أما كرامة المهمشين، أولئك الذين خبروا مرارة الفقر والظلم وموت الأحبة في زحام المستشفيات، فهي كرامة من نوع آخر.
إنها كرامة تختبر عند حافة الهاوية. إنها ذلك الحاجز الأخير الذي ينهار عندما يجبر الإنسان على التسول بقيحه، بدمه، ببوله، بعفنه... ليحصل على دواء، على نظرة عطف، على أي بصيص أمل قد يخفف من عوزه المرضي. هنا، لم يعد الجسد وسيلة للعيش، بل أصبح عملة للتداول في سوق الرعاية الصحية القاسي.
هذا المشهد المظلم، طلت علينا صورة الأب في أكادير، حاملا رضيعه المريض كأخر ملاذ له، لترسم لنا لوحة تختزل مأساة نظام بأكمله. لم تكن مجرد قصة إنسانية عابرة، بل تحولت إلى بيان سياسي صادم يفضح أكبر المفارقات: التحول من الحق المكفول إلى المنة الممنوحة.
التدخل السريع للوزير، أسطورة إنسانية أخرى... لسنا عدميين... شكرا للوزير ... لكن هذا التدخل رغم مظهره الإنساني البراق، لم يكن انتصارا للحق، بل كان اعترافا صارخاً بإفلاس النظام.
لقد كشفت الحادثة بوضوح أن المسار الطبيعي للحصول على الرعاية الصحية لم يعد ذلك الحق الذي يكفله الدستور، بل أصبح امتيازا يستوجب شروطا استثنائية: ضجة إعلامية، تعاطفا جماهيريا.. وصورة مأساوية قادرة على اختراق جدار اللامبالاة.
هذه الآلية تحول المواطن من حاملٍ لحقوق إلى متسول للرعاية، وتجعل من تدخل المسؤول ترقيعا مؤقتا يعزز من خلل النظام بدلاً أن يعالجه.
إن خطاب "التكفل" الذي روجت له الوزارة يحمل في ثناياه سما ماكرا. فهو يفترض ضمنيا أن الحكومة، بتجسدها في شخص الوزير، تقوم بعمل إضافي، بتفضل منها، خارج نطاق واجبها الروتيني.
هذه الصياغة تنتج خطابا مزدوجا: تقدم الحكومة نفسها كمنقذة ومحسنة، بينما تحمل المواطن المسؤولية إذا لم يستطع الوصول إلى هذه "المنّة" بسبب عجزه عن صناعة ضجة إعلامية مماثلة.
بمعنى آخر، يتم تحويل طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة من عقد اجتماعي قائم على الواجب والحق ("أنا أدفع ضرائبي، وأنت توفر لي العلاج") إلى علاقة تحكمها العاطفة والاستثناء ("أنا أعرض مأساتي، وأنت تمن علي بالعلاج إن شئت").
هذا التحول يخلق تمييزا غريبا فاضحاً داخل مفهوم المواطنة ذاته. ينقسم المواطنون إلى فئتين: فئة تملك رأس المال الرمزي والقدرة الإعلامية لـ "صناعة" مأساة قابلة للانتشار، وفئة صامتة، بلا صوت مسموع، تُترك لمصيرها في مواجهة آلة بيروقراطية بطيئة ومتغايرة.
لقد أصبح الحق في الصحة رهيناً بـ "قابلية المأساة للإعلامية" وليس بدرجة إلحاح الحالة الطبية.
الرمزية المرة للصورة لا تكمن فقط في معاناة الأب، بل في تحويل جسد الطفل الرضيع إلى سلعة في سوق المقايضة. لقد اضطر الأب إلى تعريض كرامته وكرامة طفلته للعلن، ليقدمها كـ "عربون" للحصول على الخدمة. هذا الفعل يستحضر ذاكرةً تاريخية مؤلمة حيث كان المتسولون يعرضون إعاقاتهم الجسدية لجذب العطف والصدقة. الفارق الجوهري اليوم أن المتسول لا يطلب قطعة نقدية، بل يطلب عملية جراحية المنقذة للحياة - وهو حق دفع ثمنه مسبقا عبر ضرائبه أو تضامنا و من صبره على طوابير الانتظار الطويلة.
لقد تحولت المستشفى من مؤسسة تقدم الخدمة إلى ساحة مساومة مكشوفة، حيث يصبح "عرض الجرح" هو العملة الوحيدة المقبولة.
التدخل الشخصي للوزير، في هذا السياق، لا يلغي الحق، بل يحوله بطريقة خادعة. فهو يخلق وهم السخاء والعطاء بدل قوة الحق في العلاج والدواء.. هو في جوهره إعفاء للنظام من المساءلة الحقيقية.
بدلا من أن يوجه أخنوش السؤال الجوهري: "لماذا فشلت الصحة في خدمة هذا المواطن؟"، فإن تدخله وزيره الفردي يعلن: "مؤسساتي قد تفشل، ولكن وزيري كفرد طيب سيصلح الأمر بنفسه... والخلل ليس فينا".
هذا النهج يحول الإصلاح من مسؤولية مؤسسية جماعية إلى حس فردي خيري لدى المسؤول.
إنه يعيد إنتاج نموذج "الحاكم الأب" البطريركي الذي يمنح الرعاية لرعاياه من منطلق الفضل، بدلا من نموذج "الدولة الحديثة" التي تدار بمؤسسات قوية وخادمة، يحاسبها مواطنون على أساس الحقوق والواجبات.
ولذا، فإن السؤال المصيري الذي تثيره قضية أكادير ليس "كيف ننقذ مريضا واحدا؟"، بل "كيف نبني نظاما لا يحتاج فيه أي مريض إلى أن ينقذ بهذه الطريقة المذلة؟".
الإجابة تكمن في قيام نقلة نوعية من منطق "التكفل" الظرفي العاطفي إلى منطق "الضمان" الدائم المؤسساتي. الضمان يعني أن الحق في الصحة مكفول بمجرد كون الإنسان مواطناً، بغض النظر عن قصته الشخصية، أو قوة صوته، أو قابليته لاستقطاب التعاطف الإعلامي.
بناء مؤسسات قوية، شفافة، خاضعة للمساءلة، ذات موارد بشرية وتقنية كافية، وقادرة على تقديم الخدمة في الوقت المحدد، دون الحاجة إلى أوامر فوقية أو تدخلات استثنائية.
قضية الرضيع في أكادير هي جرس إنذار ليس عن أزمة صحية فحسب، بل عن أزمة وجودية في مفهوم الدولة ذاتها. إنها تسائلنا بصرامة: أي نوع من المواطنة نريد لأنفسنا ولأبنائنا؟
هل نريد مواطنة قائمة على الحقوق والكرامة الإنسانية المتأصلة، حيث تكون الصحة خدمة مضمونة ومتاحة للجميع؟ أم نرضى بمواطنة منقوصة، قائمة على الاستجداء واستدرار العطف، حيث تتحول الصحة إلى منة تستوجب الشكر والامتنان؟
إن إنقاذ الطفلة هو عمل إنساني نبيل، لكن المعركة الحقيقية والأعظم هي ضمان ألا يضطر أي أب آخر في هذا الوطن إلى رفع طفله كشاهد صامت على فشل الدولة في الوفاء بواجبها الأقدس: ضمان الحق في الحياة والعلاج بكرامة، ليس كمنةٍ أو هبة، بل كحق أصيل لا يقبل المساومة أو النقاش.



