جريدة تمغربيت|الرأي

الحرب المبيدة: روسيا والأطلسي على خط التماس

chemssi

محمد الشمسي*

UCAR

لم يسبق للقوتين العالميتين العظمتين أن وقفتا وجها لوجه بشكل مباشر ودون وكلاء عنهما في تاريخ مواجهاتهما، الجيش الروسي بترسانته المرعبة من جهة، ودول النيتو بزعامة أمريكا وخلفها دول أوروبا من جهة ثانية، وساحة المعركة هي الأراضي الأوكرانية.

روسيا ترفض الزحف الأمريكي الأوروبي نحو حدودها، وتجد أعداءها في المذهب على مشارف موسكو، فانضمام أوكرانيا لحلف النيتو يعني رصد وعَدُّ أنفاس الروس بواسطة آلات الرصد العسكرية الغربية المتطورة، بالمقابل فإن أوكرانيا ترى أن قرار انضمامها للأطلسي يدخل ضمن ممارستها لسيادتها، ولا يعنيها جوارها لروسيا، أما النيتو فوجد في الطلب الأوكراني حلا نزل من السماء يقربه أكثر من العدو الروسي.

الأصابع على الزناد، وقلوب العالم تخفق وترتعش، إنها حرب إذا قامت لن تبقي ولن تذر، القصف فيها لا يستهدف فقط البشر، بل يتعداه لترك أثر ينذمل على بعد عقود من الزمن، فالروس يسعون للحشد من أجل حسم معركة وجودهم، باعتبار انضمام أوكرانيا للغرب يكشف سوءتهم، ويعري مؤخرتهم، ويفضح مستورهم العسكري والاقتصادي والسياسي.

أما الغرب فوجد نفسه في مأزق لم يتوقعه أكبر المتوقعين لديه، فهو لا يقوى على حصد خيبة أو هزيمة تجعله أضحوكة الرأي العالمي، ولن يترك الروس يسجلون عليه نقلة حاسمة في لعبة الشطرنج التي يجيدها آل بوتين ولافاروف.

بالنسبة للصين فهي تضع اليد على الخد وتتابع، هل تنضم لروسيا أختها في رضاعة الاشتراكية، فتؤلب عليها الغرب الذي قد يوقف زحفها التجاري وغزوها للأسواق؟ أم تترك الديكة تتعارك ليخرج المنتصر فيها منهكا وتنقض الصين على الريادة؟…

أوروبا كلها مع أوكرانيا، لكن روسيا وحدها عالم، ودعم دول العالم لا يعنيها.

الدول الصغيرة تعد الأيام في هلع وفزع، وتتابع الأخبار عبر وسائل الإعلام، لا مجال لوساطات الصغار حين يتخاصم الكبار، الحرب ستضرب الأمن الاقتصادي، ارتفاع صاروخي في مواد كثيرة كالبترول، وانهيار وشيك للبوروصات، الحرب ستفرز أزمات فوق الأزمات.

بالنسبة للخبراء والمتابعين فالحرب قائمة وعلى أشدها حتى بدون إطلاق نار، المواجهة الاعلامية والكلامية والتراشق بالبيانات والبلاغات والتصريحات بين الغريمين على أشده، والرئيسان الامريكي والروسي اكتفيا بمكالمات هاتفية بينهما زادت الوضع تعقيدا.

والامين العام للأمم المتحدة المسكين كعادته قلق وأسف ويدعو لتغليب حكمة لا يؤمن بها أحد.

الجيش الروسي لن يعود لثكناته مالم يقطع الشك باليقين ويمنع الناتو من وطء الأراضي الأوكرانية، والنيتو وضع نفسه في مأزق لن يخرج منه إلا بإرجاء البت في الانضمام الأوكراني أو التخلي عن أوكرانيا كليا، ففي مثل هكذا تصعيد بكل هذا الزخم والقوة تطفو المصالح على حساب المبادئ، فالفريقان معا يملكان أسلحة نووية وبيولوجية وأخرى أكثر فتكا وسفكا، والفريقان معا يعرفان قوة بعضهما، لكن الكفة تميل نحو إرضاء الروس وترك الوضع غامضا في الملف الأوكراني، واكتفاء الغرب بدعم أوكرانيا اقتصاديا وسياسيا وحتى عسكريا محدودا، وفي أقصى ما يمكن تحقيقه لخفض التصعيد هو قبول عضوية صورية لأوكرانيا في النيتو تحت عيون روسيا وبموافقتها في اتفاق قد يظهر قريبا …

فهل سيغلب صوت الحكمة وينتهي فيلم الرعب هذا، رغم أن المتعاركين ليس فيهم حكيم واحد؟…وهل تعلمت الإنسانية من دروس الحروب المدمرة السابقة التي حركتها المطامع، ولم تحن منها غير الخراب والقبور والعاهات، فلازالت رائحة أشلاء الحربين العالميتين تزكم الأنوف في المنطقة؟…

ومتى نرى سلالة من السياسيين يحشدون قواهم لحل قضايا العالم العالقة بالسلم، ولمحاربة المجاعة والفقر والظلم والقهر، الذي تعيشه البشرية في مناطق شتى من هذا العالم المظلم الذي بات من يصنع فيه السلاح سيدا له…

*كاتب وحقوقي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

4
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت