أثار قرار المؤتمر الاستثنائي للجامعة الوطنية للتخييم، الذي يشترط على الجمعيات المحلية عشر سنوات من الخبرة للاستفادة من العرض التخييمي، موجة من الجدل وسط الجمعيات المحلية. حيث اعتبرت هذه الجمعيات أن القرار يحمل طابع الإقصاء، خاصة في ظل دورها الحيوي في المناطق القروية والهامشية، حيث تعمل كحلقة وصل أساسية بين الأطفال الفئات المستهدفة وقطاع التخييم. واعتبروا أن القرار يحد من فرصهم في تقديم خدماتهم التربوية الحيوية.
وفي هذا السياق، عبّر أحد رؤساء الجمعيات المحلية، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، عن استيائه الشديد تجاه القرار، واصفاً إياه بـ”التعسفي وغير أخلاقي وغير قانوني”.
وقد أكد أن هذا القرار سيحرم العديد من الجمعيات المحلية من حقوقها المكتسبة، بل سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من الأطفال من فرصة التخييم. وأضاف أن القرار يمثل محاولة للهيمنة والاحتكار لصالح الجمعيات الوطنية، داعياً إلى تحرك الجمعيات الوطنية للترافع من أجل استعادة هذا الحق.
في رد فعل جماعي، أصدرت بعض الجمعيات المحلية بياناً مشتركاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكدت فيه أن الجامعة الوطنية للتخييم ليست الجهة القانونية المخولة لإصدار قرارات ملزمة أو شروط تدبيرية مستقلة عن الوزارة الوصية. وأوضحت الجمعيات في بيانها أن أي تغييرات في تنظيم العرض التخييمي يجب أن تتم بالتنسيق مع قطاع الشباب، الذي يتحمل المسؤولية القانونية والإدارية عن القطاع. كما أكدت على ضرورة إشراك الجمعيات المحلية في أي تحول تنظيمي يهم قطاع التخييم، وهو ما يضمن التنسيق الفعّال بين كل الأطراف المعنية.
من جانبه، دافع رئيس الجامعة الوطنية للتخييم، محمد كليوين، عن القرار، مشيراً إلى أنه ليس إقصاءً، بل هو خطوة استراتيجية تهدف إلى تحسين جودة قطاع التخييم وحمايته من الفوضى. وأضاف أن هذا القرار يعكس عملية ديمقراطية موسعة تهدف إلى تعزيز المهنية والتخصص في القطاع، وهو ما يساهم في توفير برامج تخييمية عالية الجودة لجميع فئات الأطفال. وأوضح كليوين أن الجمعيات الوطنية تمتلك الخبرة والموارد البشرية المؤهلة لتقديم برامج تخييمية متميزة من شأنها أن تستفيد منها جميع الأطفال في شتى المناطق، سواء الحضرية أو القروية.

في هذا السياق، أكد كليوين أن الجمعيات الوطنية ليست محصورة في المدن الكبرى كما يتم الترويج لذلك، بل هي موجودة في جميع المناطق المغربية، بما في ذلك القرى والمناطق النائية.
وذكّر بأن الجمعيات الوطنية تلتزم بمبادئ العدالة المجالية، حيث تعمل على ضمان توزيع عادل للفرص بين جميع فئات الطفولة المغربية، بما في ذلك الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. وأكد أن الجمعيات الوطنية قادرة على تقديم رؤية تربوية متجددة ومتسقة مع قيم الإنصاف والمساواة.
العدالة المجالية: خيار استراتيجي لا مجرد شعار
في رده على الانتقادات التي أُثيرت بشأن إقصاء الأطفال في المناطق القروية، شدد كليوين على أن الجامعة الوطنية للتخييم تعمل وفق استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى دمج جميع فئات الطفولة المغربية، بما فيها أطفال المناطق القروية وذوي الاحتياجات الخاصة. وقال: “العدالة المجالية ليست مجرد شعار، بل هي خيار استراتيجي تتبناه الدولة، والجامعة جزء من هذا الخيار. نحن نركز على توزيع عادل للفرص، مما يضمن استفادة جميع الأطفال، من الجبال إلى القرى والمدن.”

وأضاف كليوين أن الجمعيات الوطنية تشكل مخاطباً وطنياً موثوقاً يمكن التعاقد معها لتنفيذ مشاريع تخييمية على المستوى الوطني، مع الالتزام بالاستدامة والتقويم الفعّال. وأوضح أن الهدف ليس مجرد توفير أعداد كبيرة من الجمعيات، بل العمل مع جمعيات تتمتع بكفاءة تنظيمية وموارد بشرية مؤهلة لضمان تقديم خدمات تربوية عالية الجودة.
الرهان على الجمعيات الوطنية: ضمان استدامة البرامج التعليمية والتخييمية
وأشار كليوين إلى أن الجمعيات الوطنية، بفضل هيكلها التنظيمي القوي وخبرتها في المجال، قادرة على تقديم برامج تخييمية مستدامة تخدم جميع الأطفال دون تمييز. وأضاف أن الجامعة الوطنية للتخييم لا تسعى فقط إلى تحسين التنظيم، ولكنها تسعى أيضاً إلى بناء قطاع متين بعيد عن العشوائية، ويعتمد على قاعدة من التعاقدات المهنية التي تضمن استدامة العمل.
وأوضح أن الجمعيات الوطنية للتخييم يمكنها تقديم برامج تخييمية عالية الجودة تلبي احتياجات المجتمع المغربي بكافة فئاته، حيث تعمل هذه الجمعيات وفق رؤية شاملة تجمع بين التخصص والجودة. وذكر كليوين أن هذا القرار يهدف إلى تحصين القطاع من أي تداخل غير صحي بين الجمعيات المحلية التي قد تعمل في مجالات متعددة، مما يؤثر على تخصصها وجودتها.
وأكد كليوين على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع قطاع الشباب، التي تعد أحد أسس تطوير قطاع التخييم في المغرب. وأوضح أن هذه الشراكة تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة في القطاع، بعيداً عن البيروقراطية التي يعاني منها البعض في الإدارة العمومية. وقال: “هذه الشراكة تتيح لنا تطوير آليات فعّالة لضمان توفير خدمات تخييمية ذات جودة عالية، مع التركيز على تحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع الفئات.”
في الختام، أكد رئيس الجامعة الوطنية للتخييم على ضرورة العمل وفق رؤية شاملة تجعل التخييم حقاً لكل طفل مغربي، من خلال بناء قطاع متين يضمن بيئة تخييمية آمنة لجميع الأطفال. وأضاف: “لا يمكن قبول العشوائية في هذا القطاع. نحن بحاجة إلى إجراءات قاسية قد تبدو مؤلمة، لكنها تنحاز للوطن وللطفولة. نحن نعمل على تحصين ما تحقق وتطويره، مع منح الجمعيات الوطنية المجال الأوسع للعمل، وحماية القطاع من التنافس غير الصحي.”
يبقى قرار الجامعة الوطنية للتخييم مثار نقاش مستمر حول مستقبل التخييم في المغرب. وبين انتقادات الجمعيات المحلية ودفاع الجامعة عن رؤيتها التنظيمية، يبقى السؤال: هل يحقق القرار توازناً بين تطوير القطاع وضمان استفادة جميع الفئات المستهدفة؟ رغم هذه التساؤلات، يبدو أن الجامعة الوطنية للتخييم تمضي قدماً نحو تحقيق قطاع أكثر تنظيماً، يضمن استدامة المشاريع التربوية ويحقق العدالة المجالية بين جميع مناطق المغرب.



تعليقات
0