يسألونك عن مؤتمر حزب العدالة والتنمية؟ قل..
الجواب يحتاج إلى "مكبر فكر"، لا مجرد ميكروفون.
عاد "المصباح" ليضيء مجددًا، لا ليرشد، بل ليذكّرنا بأن السياسة في هذا البلد ذاكرة مثقوبة، وأن الشعب — للأسف — ذاكرته أقصر مما ينبغي.
عندما كان حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة، كنا من بين أكثر المنتقدين له. لم يكن النقد مجرد مزايدة، بل رد فعل حقيقي على قرارات مجحفة، كان أبرزها تحرير أسعار المحروقات دون تسقيف، وهو ما عُدّ آنذاك خطوة في اتجاه "طحن" جيوب المواطنين، رغم تبريرات عبد الإله بن كيران بأن الهدف كان وقف نزيف أموال المقاصة.
رغم صموده أمام دعوات الاعتذار، وتمسكه بحكمة قراره، لم ينسَ الناس كيف أُطلقت أيدي السوق على معيشهم، ولا كيف اختبأ الخطأ خلف عباءة الإصلاح. بل إن بعض تصريحات قادة الحزب، من قبيل "بيليكي" و"خاصنا ندورو بروسنا شوية"، عمّقت الإحساس بأن المشروع الإسلامي السياسي دخل طور "البراغماتية الوقحة".
الثقة في الإسلاميين اهتزّت بشدّة، ووُصفوا بالوصوليين، لا فرق بينهم وبين خصومهم. كثيرون اعتبروا مشروعهم مجرد مسرحية بغطاء ديني، خطّتها النية وأخرجتها المصالح. بل إن شعار "محاربة استبداد الأغنياء" تحوّل إلى مرآة عاكسة: "انتظرونا حتى نغتني، ثم نتحالف جميعًا ضد العامة!"
ومع كل ذلك، دخل الحزب غرفة الإنعاش، وسط شماتة خصومه وتوجّس المراقبين من عودته، إلى أن جاءت رياح عزيز أخنوش، محمّلة بوعود التغيير ورأسمال الثقة في رجل أعمال ناجح. بدا أن الرأي العام استسلم لفكرة "الخبير الاقتصادي هو الأمل"، وأن المال قد يُصلح ما أفسدته الأيديولوجيا.
لكن... ماذا وقع؟
وقع أن الرجل نفسه سقط في فخّ بن كيران: ألغى صندوق المقاصة، ووزّع الدعم النقدي عبر قنوات رقمية، من دون قراءة كافية للواقع الاجتماعي والاقتصادي. والأدهى، أنه حاول تقليد تجربة سابقة من دون امتلاك ظروفها ولا توقيتها. فكان الدعم هزيلًا، والتأثير سلبيًا، والخطاب السياسي مرتبكًا، والنتائج… باهتة.
اليوم، نعيش مشهدًا سياسيًا مرتبكًا، قاعدته "نفاق ناعم" وسقفه وعود لم تُنجز. دعم شهري بخمسمائة درهم للأسرة؟! أي منطق يقبل بهذا الرقم في زمنٍ لا تكفي فيه مئة درهم ليومٍ واحد؟ بل كيف ننسى تصريح وزيرة قالت، بكل ثقة، إن المغربي يمكنه العيش بعشرين درهمًا يوميًا؟ أي مغرب هذا؟ وأي مواطن؟
إذا كان هناك من نصيحة لرئيس الحكومة الحالي، فهي أن يتحلى بالشجاعة السياسية ويعترف: فشلنا. نعم، فشلنا في الوفاء بالوعود، وفشلنا في انتقاء الكفاءات، وفشلنا في الاستماع لرنين الشارع بدل طنين المصفقين.
أما العدالة والتنمية، ففتيله اشتعل من جديد، وبن كيران يعود إلى الساحة مثل طائر الفينيق، لكن بصوت نشاز، وكاريزما اعتادتها الميكروفونات.
نحن في زمنٍ لا يحتاج لمصابيح معطوبة، ولا لرؤساء حكومة بشهادات في التسويق. نحتاج فقط من يتقن الإصغاء، ويملك الجرأة على قول الحقيقة… ولو كانت قاسية.


تعليقات
1