جريدة تمغربيت|24 ساعة

جبروت خطة جهنمية قراءة سياسية واستراتيجية في الحملة المنهجية ضد المغرب

2020101041041-dgCu5g

لا يمكن لأي متابع بسيط وهو يتأمل ما سمي بتسريبات جبروت إلا أن يتوقف مليا أمام طبيعة هذه العملية ليس من زاوية مضمونها فحسب بل من حيث توقيتها وإيقاعها ومنهجية بثها فالمسألة أبعد من مجرد تسريبات عادية إنها عملية ذات هندسة استخباراتية مركبة تتدرج في مسارها مثلما تتدرج العمليات النفسية والحروب الناعمة التي تستهدف تفكيك ثقة الشعوب في مؤسساتها

الخطة التي تم نسجها لم تكن عشوائية بل بنيت على ثلاث مراحل مترابطة ومدروسة بدقة المرحلة الأولى كانت زرع الغضب والثقة في التسريبات عبر ملفات ثانوية لا تمس جوهر الدولة بل تقتصر على وزراء ومسؤولين حزبيين مدنيين وملفات يمكن لأي هاكر مبتدئ أن ينشر مثلها الغاية لم تكن كشف فساد أو فضح خبايا بل صناعة موجة من السخط الشعبي وتحضير الرأي العام نفسيا لتصعيد أكبر هذه المرحلة الأولى كانت بمثابة الطعم الأولي لاختبار المزاج العام

المرحلة الثانية كانت أخطر لأنها استهدفت الأعمدة الأمنية والعسكرية مباشرة من خلال تشكيك ممنهج في القائد العام للدرك الملكي وجهاز الاستخبارات المغربي الهدف هنا كان واضحا ضرب الثقة في المؤسسات الأمنية التي تمثل صمام الأمان لأي دولة ونزع الشرعية عن قدرتها على حماية الوطن لأن إسقاط الثقة في الأمن يعادل إسقاط الثقة في الدولة بكاملها لقد كان هذا الانتقال إلى السرعة القصوى بمثابة إعلان أن العملية الاستخباراتية لم تعد لعبة إعلامية بل خطة لهدم الأعمدة الصلبة للدولة

أما المرحلة الثالثة فهي الأوج الأخطر حيث تحولت التسريبات إلى محاولة ضرب رأس الشرعية السياسية القصر الملكي نفسه من مزاعم حول مطبخ ولي العهد إلى حديث عن تنصت على الملك الهدف النهائي كان خلق شرخ بين القصر ومؤسساته الأمنية وبين القصر وحاضنته الشعبية إنها النقطة التي لو تحققت لكان معنى ذلك عزل القصر عن محيطه الشعبي وإضعاف شرعيته التاريخية والسياسية وهنا تتجلى طبيعة الخطة الثلاثية تبدأ من الهامش بملفات ثانوية تمر بالمؤسسات السيادية ثم تنتهي عند القمة محاولة إسقاط الرأس الذي يمثل رمز الاستقرار والوحدة

إنها خطة ثلاثية الأبعاد توضح جبروت العقل الذي دبرها عقل بارد وحسابات دقيقة ووعي عميق بآليات التأثير النفسي والاجتماعي لقد راهن من يقف وراءها على خلق فراغ مؤسساتي عبر عزل الحكومة ثم الأجهزة الأمنية وصولا إلى القصر وعلى فتح الباب للفوضى والعبث حين تسقط الثقة في كل شيء وتنهار الشرعية ويصبح المجتمع مهيأ للتدخلات الخارجية بكلمة إنها محاولة لإنتاج دولة رخوة عبر ثلاث خطوات مدروسة

غير أن ما غفل عنه أصحاب الخطة أن المغرب يملك مناعة متجذرة مناعة سياسية راسخة في عمق التجربة التراكمية ومناعة تاريخية متجذرة في الشرعية الممتدة قرونا للمؤسسة الملكية ومناعة أخلاقية قائمة على لحمة الشعب حول الثوابت الوطنية هذه المناعة حالت دون نجاح أي مرحلة من المراحل الثلاث رغم دقة الحسابات فقد اصطدم المخطط بواقع مغربي عصي على الانكسار الاستقرار المغربي ليس وليد الصدفة بل ثمرة هندسة سياسية واجتماعية ضاربة الجذور

لقد أثبتت الأحداث أن المغرب قادر على امتصاص الصدمات وأن لحمة الشعب مع القصر ومؤسساته الأمنية شكلت الجدار الصلب الذي تصدى للخطة الثلاثية بحكمة ووعي الشعب المغربي لم ينخدع بتكتيكات بث الغضب في المرحلة الأولى بل أدرك الهدف الخفي وراءها ولم يسقط في فخ التشكيك في المؤسسات الأمنية خلال المرحلة الثانية بل التف حولها باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوطن وفي المرحلة الثالثة حين حاولت الخطة المس بالقصر ازداد الشعب التفافا حول الملك باعتباره رمز الاستقرار وحامي الوحدة الوطنية

لقد أراد خصوم المغرب صناعة شرخ عبر خطة ثلاثية المراحل فإذا بالمغاربة يعيدون بناء جدار ثقتهم أكثر قوة وصلابة وأرادوا إضعاف المؤسسات فإذا بها تزداد تماسكاً وانخراطاً في خدمة الوطن وأرادوا عزل القصر فإذا بالشعب يعيد التأكيد على تلاحمه مع ملكه ومؤسساته الأمنية لقد كان المخطط ثلاثي المراحل محاولة جهنمية لكنها انتهت بانتصار الحكمة المغربية القائمة على التلاحم والشرعية والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للتماسك الوطني

ما وقع ليس مجرد حملة تسريبات بل خطة جهنمية ذات نفس استخباراتي طويل خطة ثلاثية المراحل سعت لضرب المغرب في شرعيته ومناعته المؤسساتية غير أن ما لم يستوعبه أصحابها هو أن المغرب يملك مناعة أقوى من أن تنال منها تسريبات مهما كان إخراجها احترافيا في النهاية تبقى جبروت عنوانا لمحاولة فاشلة أرادت زعزعة المغرب لكنها لم تفعل سوى تعزيز وعي المغاربة بضرورة حماية دولتهم من الحروب الناعمة والمؤامرات الممنهجة والانتصار للحكمة المغربية والتلاحم العميق بين القيادة والشعب والأمن

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

115
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت