لا يمكن لأي متابع بسيط وهو يتأمل ما سمي بتسريبات جبروت إلا أن يتوقف مليا أمام طبيعة هذه العملية ليس من زاوية مضمونها فحسب بل من حيث توقيتها وإيقاعها ومنهجية بثها فالمسألة أبعد من مجرد تسريبات عادية إنها عملية ذات هندسة استخباراتية مركبة تتدرج في مسارها مثلما تتدرج العمليات النفسية والحروب الناعمة التي تستهدف تفكيك ثقة الشعوب في مؤسساتها
الخطة التي تم نسجها لم تكن عشوائية بل بنيت على ثلاث مراحل مترابطة ومدروسة بدقة المرحلة الأولى كانت زرع الغضب والثقة في التسريبات عبر ملفات ثانوية لا تمس جوهر الدولة بل تقتصر على وزراء ومسؤولين حزبيين مدنيين وملفات يمكن لأي هاكر مبتدئ أن ينشر مثلها الغاية لم تكن كشف فساد أو فضح خبايا بل صناعة موجة من السخط الشعبي وتحضير الرأي العام نفسيا لتصعيد أكبر هذه المرحلة الأولى كانت بمثابة الطعم الأولي لاختبار المزاج العام
المرحلة الثانية كانت أخطر لأنها استهدفت الأعمدة الأمنية والعسكرية مباشرة من خلال تشكيك ممنهج في القائد العام للدرك الملكي وجهاز الاستخبارات المغربي الهدف هنا كان واضحا ضرب الثقة في المؤسسات الأمنية التي تمثل صمام الأمان لأي دولة ونزع الشرعية عن قدرتها على حماية الوطن لأن إسقاط الثقة في الأمن يعادل إسقاط الثقة في الدولة بكاملها لقد كان هذا الانتقال إلى السرعة القصوى بمثابة إعلان أن العملية الاستخباراتية لم تعد لعبة إعلامية بل خطة لهدم الأعمدة الصلبة للدولة
أما المرحلة الثالثة فهي الأوج الأخطر حيث تحولت التسريبات إلى محاولة ضرب رأس الشرعية السياسية القصر الملكي نفسه من مزاعم حول مطبخ ولي العهد إلى حديث عن تنصت على الملك الهدف النهائي كان خلق شرخ بين القصر ومؤسساته الأمنية وبين القصر وحاضنته الشعبية إنها النقطة التي لو تحققت لكان معنى ذلك عزل القصر عن محيطه الشعبي وإضعاف شرعيته التاريخية والسياسية وهنا تتجلى طبيعة الخطة الثلاثية تبدأ من الهامش بملفات ثانوية تمر بالمؤسسات السيادية ثم تنتهي عند القمة محاولة إسقاط الرأس الذي يمثل رمز الاستقرار والوحدة
إنها خطة ثلاثية الأبعاد توضح جبروت العقل الذي دبرها عقل بارد وحسابات دقيقة ووعي عميق بآليات التأثير النفسي والاجتماعي لقد راهن من يقف وراءها على خلق فراغ مؤسساتي عبر عزل الحكومة ثم الأجهزة الأمنية وصولا إلى القصر وعلى فتح الباب للفوضى والعبث حين تسقط الثقة في كل شيء وتنهار الشرعية ويصبح المجتمع مهيأ للتدخلات الخارجية بكلمة إنها محاولة لإنتاج دولة رخوة عبر ثلاث خطوات مدروسة
غير أن ما غفل عنه أصحاب الخطة أن المغرب يملك مناعة متجذرة مناعة سياسية راسخة في عمق التجربة التراكمية ومناعة تاريخية متجذرة في الشرعية الممتدة قرونا للمؤسسة الملكية ومناعة أخلاقية قائمة على لحمة الشعب حول الثوابت الوطنية هذه المناعة حالت دون نجاح أي مرحلة من المراحل الثلاث رغم دقة الحسابات فقد اصطدم المخطط بواقع مغربي عصي على الانكسار الاستقرار المغربي ليس وليد الصدفة بل ثمرة هندسة سياسية واجتماعية ضاربة الجذور
لقد أثبتت الأحداث أن المغرب قادر على امتصاص الصدمات وأن لحمة الشعب مع القصر ومؤسساته الأمنية شكلت الجدار الصلب الذي تصدى للخطة الثلاثية بحكمة ووعي الشعب المغربي لم ينخدع بتكتيكات بث الغضب في المرحلة الأولى بل أدرك الهدف الخفي وراءها ولم يسقط في فخ التشكيك في المؤسسات الأمنية خلال المرحلة الثانية بل التف حولها باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوطن وفي المرحلة الثالثة حين حاولت الخطة المس بالقصر ازداد الشعب التفافا حول الملك باعتباره رمز الاستقرار وحامي الوحدة الوطنية
لقد أراد خصوم المغرب صناعة شرخ عبر خطة ثلاثية المراحل فإذا بالمغاربة يعيدون بناء جدار ثقتهم أكثر قوة وصلابة وأرادوا إضعاف المؤسسات فإذا بها تزداد تماسكاً وانخراطاً في خدمة الوطن وأرادوا عزل القصر فإذا بالشعب يعيد التأكيد على تلاحمه مع ملكه ومؤسساته الأمنية لقد كان المخطط ثلاثي المراحل محاولة جهنمية لكنها انتهت بانتصار الحكمة المغربية القائمة على التلاحم والشرعية والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للتماسك الوطني
ما وقع ليس مجرد حملة تسريبات بل خطة جهنمية ذات نفس استخباراتي طويل خطة ثلاثية المراحل سعت لضرب المغرب في شرعيته ومناعته المؤسساتية غير أن ما لم يستوعبه أصحابها هو أن المغرب يملك مناعة أقوى من أن تنال منها تسريبات مهما كان إخراجها احترافيا في النهاية تبقى جبروت عنوانا لمحاولة فاشلة أرادت زعزعة المغرب لكنها لم تفعل سوى تعزيز وعي المغاربة بضرورة حماية دولتهم من الحروب الناعمة والمؤامرات الممنهجة والانتصار للحكمة المغربية والتلاحم العميق بين القيادة والشعب والأمن


تعليقات
115