خالد أخازي
أثارت تصريحات عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حول قضية الصحراء المغربية، موجة من الاستياء العارم، حتى من قبل رفاقه القدامى، ففي بودكاست نشر عبر موقع “عربي21″، أعلن غالي أن الجمعية تدعم “الوصول إلى حل تفاوضي يرضي جميع الأطراف”، مشيرًا إلى أن الجمعية كانت مع حق تقرير المصير في الصحراء، لكنها الآن تدعو إلى الحوار مع جبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة.
وبكل سذاجة، انتقد غالي فكرة الحكم الذاتي كحل نهائي ، متسائلاً: “لماذا نتفاوض إذا كان الحكم الذاتي هو الحل الوحيد المطروح؟” تصريحاته قوبلت بانتقادات حادة من المغاربة الذين اعتبروا أن هذا الموقف يتعارض مع الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء.
وفي السياق ذاته، استغل الإعلام الجزائري ووسائل إعلام تابعة لجبهة البوليساريو تصريحات غالي الشاذة لتأجيج نار العداء تجاه المغرب، مما زاد من حدة الجدل حول القضية.
ردود الفعل لم تتأخر في الظهور، حيث انتقدت الجمعية الوطنية لأسر شهداء ومفقودي وأسرى الصحراء المغربية بشدة تصريحات غالي، معتبرة أنها تمس بمشاعر أسر الشهداء الذين ضحوا من أجل وحدة الوطن. كما أبدى يوسف فريد، عضو المنتدى المغربي للمواطنة وحقوق الإنسان، استغرابه من تصريحات غالي التي جعلته “يفقد البوصلة”، داعيًا إياه للاعتذار للشعب المغربي. بينما اعتبر محمد الزهاري، الرئيس الأسبق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن تصريحات غالي لا يمكن أن تكون موضوع نقاش في ظل الإجماع الوطني حول الوحدة الترابية.
ردود الفعل هذه تعكس قلق الجمعيات الحقوقية من تأثير تصريحات غالي على الموقف الوطني الموحد بشأن قضية الصحراء التي تُعتبر خطًا أحمر لا يمكن التهاون فيه.
من الواضح أن تصريحات عزيز غالي حول قضية الصحراء المغربية ما زالت تثير جدلاً واسعًا في الأوساط الحقوقية والسياسية والإعلامية والثقافية. فغالبًا ما دأب غالي على إثارة الجدل في ملفات اجتماعية وحقوقية واقتصادية متعددة، متقلّبًا بين الشعبوية وتطرف الرؤية، لكن يبدو أن الإثارة التي يجيد صناعتها تلاشت أمام محكمة وطنية لا مزايدة فيها على المغاربة.
للأسف، وجد نفسه وحيدًا في مواجهة الزوبعة التي أثارها، متماهيًا بغرابة مع هلوسات البوليساريو وجنرالات الجزائر. وكأنك تستمع إلى قيادي من جبهة العار أو فاعل مدني من صف عسكر النظام الجزائري.
الحقيقة أن عزيز غالي لطالما تحمس لقضايا سياسية بغطاء حقوقي، محاولًا في أكثر من مرة فصل مصالح الوطن عن النضال الحقوقي. المعركة الحقوقية مهمة بلا شك، لكن الرهان على الانتصار للآخر باسم القيم الكونية هو رهان خاسر، لا يقل ضررا عن الخذلان، ويركبه فرسانً يحاربون طواحين الهواء، ويجروون وراء أمجاد من ورق.
لا أصدق حتى الآن أن غالي يؤمن بما قاله؛ لأن ذلك سيكون طامة كبرى لو كان بيننا من يفكر بعقلية تندوف وقصر المرداية. عليه أن يدرك أن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد قضية “المخزن” على لغته، بل هي قضية شعب وأمة.
وفي هذا السياق، يجب أن يستحضر عزيز غالي أن الآباء الكبار لليسار المغربي مثل الراحل عبد الرحيم بوعبيد دخلوا السجن رفضا لمقترح الاستفتاء الذي قبل به الراحل الحسن الثاني وسماه بالاستفتاء التأكيدي، أي نعم…كان اليسار المتخلق الوطني لا يطرح بديلا عن الوحدة الترابية، ولو اختارت الدولة حلا آخر…
وطنك يا رفيقي…! قدم حوالي 5000 شهيد وآلاف الجرحى والمفقودين بسبب هذا النزاع الذي صنعته أنظمة شمولية سقطت رؤوسها أو هرولت هاربة أو أُعدمت ببشاعة، فكفى مزايدة واتق الله في وطنك…!ا لا تخلف موعدك مع وطنك، فالوطن أولاً!
ختاما لن نفتي في ردود فعل أخرى غير الردود الشعبية، ولن نشجع على حل الجمعية كخيار لا يخدم صورة مغرب اليوم، ولن نطالب بمحاكمته قضائيا تلك المحاكمة التي لا تخدم الوطن، سنقول له… تعقل… فوطنك أولى… ونتركه يسمع صوت الشعب في محاكمة شعبية وطنية هي أشق عليه من محاكمة قضائية تمنحه نفسا جديدا في زمن موت الأيديولوجيات.

