“لانجيري”، كما يسميها والدي، أطال الله في عمره، وشافاه وعافاه، هي الجزائر، التي أذاقه حكامها العسكريون ويلات وآلام حرب الرمال سنة 1962، لما جُرح برصاصتين على مستوى الصدر من جهة اليسار، ولولا ألطاف الله، لقضى خلالها، ويده اليسرى، ليتم أسره رفقة خمسة جنود فقط، منهم من قضى، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
تسعة أشهر، منها ستة في قبو وظروف قاسية. رغم ذلك، لا يحمل، ولا نحمل كذلك، ضغينة أو حقدًا لبلد تجمعنا به روابط عديدة، أكثر مما تحاول “حسابات خاوية”، كما يقول، لعبت فيها السياسة دورًا “قذرًا”، بالرغم من نُبل السياسة عندما يمارسها أهلها، مدنيون بالضرورة، وبقواعدها، لأنها ليست “فنًا”، بل علم يُدرَّس.
وخلال حروب الصحراء، التي خاضها رفقة جنود بواسل، منهم شهداء روت دماؤهم رمال الصحراء المغربية، وما زالت قبور الكثيرين على امتدادها، من الطنطان إلى لمسيد، مرورًا بالفارسية وجديرية، إلى حدود كلتة زمور وأمݣالا وغيرها، يرويها السارجان الشريف أحمد جرو، رقمه العسكري 673/62، منذ انطلاقها، بين الفينة والأخرى، ليضعنا في صورة ما جرى، وكيف جرى، بالجزائر وهنا.
سمحت لي ظروف المهرجان العالمي للشباب والطلبة سنة 2001، بصفتي عضو المجلس الوطني سابقًا لحركة الشبيبة الديمقراطية (حشد)، شبيبة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي الموؤودة، بأن أطلع أكثر على هذا البلد. وتتوفر منظمة العمل الديمقراطي الشعبي على مقر هناك، كان مأوى للمنفيين قسرًا، ومنهم الرفيق المجاهد الفقيد محمد بن سعيد، والرفيق الفقيد لحسن زغلول، وغيرهما من تيارات أخرى.
سمح لي المهرجان العالمي بالتعرف عن قرب، رغم قصر المدة التي قضيناها، قبل أن يتفجر الوضع، بسبب مناوشات شبيبية وقعت بين شباب يساري وشباب جبهة البوليساريو الحاضرة بنفس المهرجان، التي هي عضو به. شعب مضياف بسيط، وأتحدث طبعًا عن مواطنين مثلنا، يحملون هموم الحرية والديمقراطية والمساواة، وكل ما نطمح إليه. في الجهة المقابلة، للأسف الشديد، نظام العسكر لم يترك ولو كوة واحدة، نتطلع من خلالها لاستشراف مستقبل شعوب مغرب كبير، أمازيغي عربي حساني صحراوي، وهي مشترك بيننا، إلى جانب ديانات أخرى، لعل أبرزها الإسلام في بعده السمح. وبذلك، تم هدر زمن ومال وكفاءات وطاقات كبيرة، تبني الآن كما بنى أجدادنا حضارات بلدان العالم.
هنا والآن، وعلى هامش تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم نهاية هذه السنة وبداية سنة 2026، يروج في كواليس أخبار “الكان 2025″، أن الاتحاد الإفريقي، “كاف”، ربما “يلزم” المنتخبات المشاركة في هذه الدورة، بحسب مصادر إعلامية، بطبع شعار الدورة على أقمصتها، مما يعني أن كلمة “Morocco” والزليج المغربي ستظهر، وبذلك، ستحمل أقمصة المنتخب الجزائري اسم “المروك”.
وهذا الأمر لوحده “سيغيظ” نظام العسكر، المعاكس للتوجه الذي يسير فيه ليس المغرب فقط، ولكن إفريقيا والعالم. فهم يمنعون على الصحافة والمواطنين ذكر اسم المغرب، ويفضلون ذكر كلمة “المخزن”، في تخلف فكري كبير. “المخزن” مصطلح خلفه الاستعمار الفرنسي، الذي عمر لمدة 132 سنة، وعقد الجارة الشرقية، le Magasin، سرعان ما تبدل بسبب معطيات كثيرة، ومنها أنه، أي المصطلح، يُستعمل للدلالة على نظام الدولة والسلطة منذ قرون عديدة.
فهل ستدفع كلمة “المروك” نظام العسكر لسحب منتخبها ظلمًا لرياضيين وجماهير، من “كان المغرب 2025″؟

