رشيد الطالبي العلمي، هذا الاسم الذي صار مرادفًا لتوليد مفاهيم وتعريفات لا نعرف في أية محطة بنزين تعلمها، فما إن ينطق حتى يشعل النيران، وكلما خطب في الناس لوى ليا المفاهيم…
لا يكفّ الزعيم الفيلسوف في أثينا أخنوش عن إتحافنا بمفاهيمه الخاصة للوطنية والممارسة الديمقراطية. فالرجل، وكعادته، لا يفوّت فرصة للظهور بتصريحات تثير الاستغراب، وتُرغمك على التوقف للحظة والتساؤل: هل الرجل يعيننا؟ هل نتحدث عن نفس القوانين والمؤسسات؟
هذه المرة، خرج علينا بفكرة جديدة: الانسحاب من التصويت على قانون الإضراب خيانة للسيادة الوطنية! أجل، فقد تطورت الخيانة في قاموس الرجل، ولم تعد تقتصر على التآمر أو التجسس، بل أصبحت تشمل أبسط أدوات الديمقراطية: الاختلاف في الرأي. التصويت عنده ليس حقًا، بل واجبًا مقدسًا، وغيابه لم يعد مجرد موقف سياسي، بل خيانة للوطن! كيف لم يخطر ببال الفقهاء الدستوريين هذه الفكرة العظيمة من قبل؟
الطريف أن الطالبي العلمي مقتنع بأن هذا القانون سيفتح عهدًا جديدًا للنقابات، رغم أن هذه الأخيرة نفسها ترفضه وتعتبره انتكاسة لحقوق العمال. لكنه لا يسمح لهذه التفاصيل الصغيرة بأن تفسد نشوة إنجازه التاريخي. بل وذهب أبعد من ذلك، فألبس النقاش ثوب العراقة، مؤكدًا أن المغرب، الذي يمتد تاريخه لأكثر من 12 قرنًا، يستحق أخيرًا أن ينظم حق الإضراب، وكأن المغاربة كانوا ينتظرون منذ عهد الأدارسة ليفسّر لهم الطالبي العلمي معنى الاحتجاج المشروع!
لكن قبل أن نُصدّق أن الرجل هو حارس المعبد الديمقراطي، لنعد قليلًا إلى أرشيفه الحافل. ليس ببعيد، قدم لنا درسًا عمليًا في فن الخطابة الهجومية أثناء مواجهته مع النائبة ريم شباط، حيث أظهر أن الصراخ والاستعلاء قد يكونان من أدوات العمل البرلماني. هذا دون أن ننسى مغامراته في دهاليز الملفات المالية، حيث لا يُذكر اسمه إلا ويأتي معه رقم مليار و300 مليون درهم، وهو المبلغ الذي طالبه به مكتب الضرائب نتيجة التهرب الضريبي. أما قصة مصنع النسيج الذي أنشأه في التسعينيات، دون التصريح بالعمال أو دفع الضرائب، فهي نموذج آخر من “الاجتهاد الاقتصادي” الذي لا يضاهيه فيه أحد.
ولأن الرجل يعشق الأضواء، لم يكتفِ بذلك، بل أثار قضية أخرى تتعلق ب 250 مليون درهم أنفقها على منصة إلكترونية، مما جرّ عليه اتهامات بإهدار المال العام. لكنه واجهها كعادته، بنبرة الواثق الذي يرى أن المشكلة ليست في الأرقام، بل في الذين يصرّون على قراءتها بطريقة خاطئة.
لكن القفزة الكبرى في مسيرته جاءت عندما قرر أن يمنح المغاربة هدية لغوية فريدة، فوصفهم بأنهم “مرضى”، ليجد نفسه أمام سيل من الشكاوى والمطالبات بالاعتذار. يبدو أن الرجل اعتقد أن دوره السياسي يشمل أيضًا تشخيص الحالة النفسية للشعب، متناسيًا أن الأمر قد ينتهي به في قفص الاتهام بدل منصة الخطابة.
اليوم، لا يسعنا إلا أن ننتظر ما سيأتي به الطالبي العلمي في خرجاته القادمة. فالرجل لديه موهبة استثنائية في اختراع التعريفات الجديدة للوطنية، ومن يدري؟ ربما في المرة القادمة، سيخبرنا أن الامتناع عن التصفيق في البرلمان هو تهديد للأمن القومي، أو أن النوم أثناء الجلسات هو شكل من أشكال الولاء للدولة العميقة!


تعليقات
2