أبدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها رأيها الرافض للمقتضيات الواردة في المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، معتبرةً أنها تحد من حق الجمعيات في اللجوء إلى القضاء لمتابعة المسؤولين المتورطين في الفساد المالي.
جاء هذا الموقف خلال ندوة صحفية نظمتها الهيئة لتقديم تقريرها السنوي لعام 2023، حيث أكد رئيسها محمد البشير الراشدي أن المادة 3 من المشروع تتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، التي تنص على ضرورة تعزيز دور المجتمع المدني في محاربة الفساد وترسيخ الشفافية والمساءلة.
كما شددت الهيئة على أن التعديل المقترح يحمل إشكالات دستورية، كونه يقيد آليات المحاسبة، مما قد يضعف جهود مكافحة الفساد.
تنص المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية على أنه:
“لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة، بناءً على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو بناءً على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو من الإدارات المعنية، أو بناءً على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أو كل هيئة يمنحها القانون صراحة ذلك.”
ويعني هذا المقتضى أن الجمعيات المدنية، بما فيها المهتمة بحماية المال العام، لن تكون قادرة على تقديم شكايات مباشرة إلى القضاء ضد الفساد، وحُصر هذا الحق في جهات رسمية معينة.
في المقابل، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن هذه المقتضيات خلال تقديمه لمشروع القانون أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين، مؤكدًا أن المسؤول عن حماية المال العام هو وزير الداخلية، وأنه لا يمكن لأي شخص تقديم شكاية إلا إذا كان هو من منح المال موضوع الشكاية.
كما أوضح وهبي أن هذا التعديل يهدف إلى منع استغلال قضايا الفساد من قبل جهات قد تستخدمها لأغراض غير نزيهة، والحد من أي محاولات ابتزاز للمسؤولين العموميين.
أثار هذا التعديل موجة انتقادات من منظمات حقوقية وجمعيات مدنية، التي اعتبرته تقليصًا لدور المجتمع المدني في مراقبة تدبير الشأن العام ومحاسبة الفاسدين.
في هذا السياق، أعلنت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” عن تجميد عضويتها في اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، احتجاجًا على ما وصفته بالتضييق القانوني على الجمعيات، مما يتعارض مع مقتضيات دستور 2011 والمعاهدات الدولية التي التزم بها المغرب.
مع استمرار الجدل حول مشروع قانون المسطرة الجنائية، خصوصًا فيما يتعلق بالمقتضيات التي تحد من دور الجمعيات في محاربة الفساد، يُتوقع أن يخضع المشروع لمزيد من النقاش داخل البرلمان وخارجه. ويرى متابعون أن التوازن بين تعزيز حماية المال العام وضمان دور المجتمع المدني في الرقابة سيكون حاسمًا في تحديد الصيغة النهائية لهذا القانون.


تعليقات
1