في ظلّ مناخٍ سياسي واجتماعي مشحون، لا يفصل الاتحاد المغربي للشغل، أقدم نقابة عمالية في المغرب، إلا أيام عن عقد مؤتمره الوطني الثالث عشر (21-23 فبراير 2025)، الذي يُنتظر أن يُشكل محطةً مفصلية لتحديد ملامح مستقبل الحركة النقابية في بلاد تواجه أزمات اقتصادية متصاعدة وعلاقات متوترة بين النقابات والسلطة، ومن المنتظر تجديد الثقة في مخاريق، مع تغيير عدة وجوه في الأمانة العامة، وتحيين الملفات الكبرى.
قيادة رابعة لأمين عام “غير مفاجئ”
على الرغم من التحديات التي تحيط بالاتحاد، تبدو التوقعات مُجمعةً على تجديد ولاية الأمين العام الحالي، الميلودي موخاريق، لولاية رابعة، في مؤشرٍ إلى ترجيح خيار الاستقرار التنظيمي كعقيدة ونظيمية للمركزية، وعدم الرهان على تجديد القيادة النقابية في سياق مجتمعي وسياسي واقتصادي صعب
. هذا الاستقرار القيادي، الذي يُوصف من قبل بعض المحللين بـ” حزام السلامة التنظيمي”، يثير تساؤلات حول قدرة الاتحاد على تجديد خطابه واستراتيجياته، خاصة في ظل تصاعد انتقادات من قاعدة عمالية تطالب بمواجهة أكثر حزمًا مع الحكومة، وفق ما تُلمِّح بيانات صادرة عن فروع نقابية محلية.
اشتباك مع الحكومة: إضراب فبراير أنموذجًا
يأتي المؤتمر في أعقاب موجة احتجاجية قادها الاتحاد في فبراير الماضي، رفضًا للقانون التنظيمي رقم 97.15 الذي ينظم الحق في الإضراب، والذي اعتبرته النقابات “مُقيِّدًا للحريات النقابية”.
صرح الاتحاد أن نجاحًا كبيرًا عرفه الإضراب بنسبة مشاركة بلغت 84.9%، بينما قلّلت الحكومة من تأثيرها، مشيرة إلى نسب متدنية. هذه الحادثة لا تعكس فقط هوّة الثقة بين الطرفين، بل تُظهر تحوّلًا في أساليب الاحتجاج، حيث لجأ الاتحاد إلى تعبئة قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة للنزول إلى الشارع، في محاولة لاختبار قوته التفاوضية.
مأزق القانون 97.15: بين “الشرعنة” و”التقييد
يشكّل القانون المثير للجدل إحدى العُقد المركزية في العلاقة بين النقابة والسلطة. فبينما تُصر الحكومة على أن التنظيم القانوني للإضراب يهدف إلى “ضمان استمرارية المرافق العمومية”، يُحذر خبراء في الحوار الاجتماعي من أن شروط الإخطار المسبق والإجراءات البيروقراطية تفرغ الحق الدستوري في الإضراب من مضمونه. تقارير صادرة عن منظمات حقوقية محلية تشير إلى تراجع ملحوظ في عدد الإضرابات المسجلة منذ تطبيق القانون، ما يعزز مخاوف النقابات من “تكريس التضييق”.
مطالب اقتصادية عالقة: بطالة وتدهور شراء
لا تنفصل أزمة الاتحاد عن السياق الاقتصادي الذي يشهد ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 13%، وفق إحصائيات رسمية حديثة، وتآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم، الذي تجاوز 6% في بعض المواد الأساسية.
هذه العوامل تزيد من ضغوط القاعدة العمالية على النقابة لتبني مواقف أكثر تشددًا، خاصة مع فشل الحوار الاجتماعي في تحقيق مكاسب ملموسة، كمراجمة الأجور أو تحسين نظام المعاشات، الذي لا يزال يعاني من عجزٍ مالي يُقدَّر بمليارات الدراهم.
اتهامات بالتبعية وغياب الاستقلالية
من ناحية أخرى، يتعرض الاتحاد المغربي للشغل لانتقادات من نقابات مستقلة وحركات احتجاجية ناشئة تتهمه بـ”الاندماج في لعبة السلطة” و”التخلي عن الدور النضالي”. تصريحات لقيادات تُشير إلى ما وصفته غياب الديمقراطية الداخلية داخل الاتحاد، وتركيز الصلاحيات في الأمانة العامة، يُضعف قدرته على تمثيل مطالب جيل جديد من العمال، خاصة في قطاعات الاقتصاد الرقمي والخدمات، التي تشهد نموًا سريعًا خارج إطار النقابات التقليدية. محط
محطة 2025: اختبارٌ لمصداقية أقدم نقابة
يُشكّل المؤتمر القادم فرصةً للاتحاد لإعادة تعريف دوره في مشهدٍ سياسي يتسم بتعدد الأزمات. فإما أن يُقدم على مراجعة نقدية لاستراتيجيته، ويعيد تفعيل آليات الحوار الداخلي، ويوسع تحالفاته مع الحركات الاجتماعية الناشئة، أو سيستمر في الانكفاء على نهجٍ يرى مراقبون أنه لم يعد قادرًا على استيعاب تعقيدات المرحلة. في ظل غياب بديل نقابي قوي، قد تدفع الطبقة العاملة ثمن الجمود، ليس فقط في حقوقها المهدرة، بل في مصداقية النقابة كفاعلٍ رئيسي في المعادلة الاجتماعية المغربية.


تعليقات
1