لم تعد أيام الفاسدين كما كانت، هادئة...يقضونها تحت مظلات الضمانات التي تقيهم قيظ المحاسبة، مظلات حملتها رياح التغيير فجأة بعيدا عن جغرافيا الإفلات من العقاب حيث ظلوا يعتبرون تقارير المجلس الأعلى للحسابات مجرد زوبعة في فنجان، وأن مظلاتهم الحزبية تحميهم من المتابعات.

هاهم يصحون مضطربين صرعى من هول الفاجعة، كأنهم سكارى من الرعب، وما هم سكارى، على هول خبر لا يشبه البلاغات الجمعوية ولا الاستفسارات الإدارية، زينب العدوي، التي تعرف جيدًا أن التقارير وحدها لا تكفي، قررت أن تنتقل إلى المرحلة التالية: إحالة 16 ملفًا ساخنًا إلى رئيس النيابة العامة
تضم القضايا المحالة على النيابة العامة مخالفات مالية وإدارية من العيار الثقيل. خطوة ليست مجرد إجراء شكلي، بل رسالة واضحة بأن من اعتادوا التعامل مع المال العام كأنه ملكية خاصة قد حان وقت مساءلتهم.
253 مسؤولًا أمام المحاكم المالية، بينهم 122 رئيس جماعة ترابية—ليست أرقامًا مجردة، بل مؤشرات على أن الجماعات التي كان يفترض أن تكون رافعة للتنمية، تحولت لدى البعض إلى صناديق سوداء، تُصرف منها الميزانيات بطرق يصعب تبريرها حتى بأكثر الحيل المحاسبية ذكاءً.
وها هو المجلس الأعلى للحسابات، بقيادة العدوي، يضع النقاط على الحروف، ويفتح دفاتر لم يكن أحد يعتقد أنها ستُقرأ يومًا بهذه الجدية، ويعيش المغرب أزهى أيامه في محاربة الفساد ضمن جبهة قوية ثلاثية: المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المجلس الأعلى للحسابات، والداخلية، ثلاثي لا بوصلة له غير الاستراتيجية الملكية في محاربة الفساد وتخليق المشهد السياسي، وصناعة مغرب الأمل.
في السابق، عندما كانت تصدر تقارير المجلس، كان البعض يكتفي بالتثاؤب، واثقًا من أن الزمن كفيل بطي الصفحة. لكن يبدو أن الصفحة هذه المرة لم تُطوَ، بل تحولت إلى ملفات قضائية تأخذ طريقها إلى المحاكم، وسط ذهول من اعتقدوا أن المناصب تمنحهم حصانة ضد الحساب.
الحقيقة أنهم لم يقرؤوا جيدًا المزاج الجديد الذي بات يحكم الرقابة على المال العام، ولم يستوعبوا أن العدوي ليست من النوع الذي يكتفي بدور المراقب الصامت... تذكروا دموعها ذات يوم وهي تتحدث عن الفساد... دموع الحرقة على الوطن، وليست دموع الضعف.... فالفرسان يبكون أيضا...
قد يقول قائل إن هذه مجرد حلقة أخرى في مسلسل طويل من ملفات الفساد، لكن الفرق هذه المرة أن الإرادة واضحة وقوية لمكافحة الفساد، ولم لم تعد مجرد تقرير في رف لا يرف له جفن الفاسد، بل ممارسة تتجسد في قرارات جريئة.
قد يحاول البعض تبرير المخالفات، وقد يخرج آخرون ليصرخوا بالمظلومية، لكن الواقع أن عهد الإفلات من المحاسبة يضيق شيئًا فشيئًا، ومن كان يظن أن الأمور ستظل كما كانت، عليه أن يعيد حساباته بسرعة.
زينب العدوي، التي تفضل الأفعال على الأقوال، رمت بشجاعة حجرًا ثقيلًا في بركة راكدة، لا مرجعية لها غير مرجعية الملك، ولا بوصلة لها غير المشروع الملكي لا الحكوميي، ولن يكون من السهل بعد اليوم الهروب من المساءلة القانونية، فقطار المساءلة انطلق، ولا سقف يأوي الفاسدين.
ينتظر المغاربة نتائج هذه الخطوة التي تصالح المجتمع والمؤسسات المنتخبة، لكن يبقى السؤال الأكبر: هل سيشهد المستقبل مزيدًا من هذه التحركات؟ أم أن البعض لا يزال يراهن على الزمن لنسيان ما حدث؟ في كل الأحوال، هناك أمر واحد مؤكد: هناك عاصفة تتشكل في الأفق، وستقتلع كل جذور الفساد مهما كانت عميقة... خفية كوتد جبل الجليد.
لا يهم إن أقسم وهبي بأغلظ الأيمان ألا يعدل المادة الثالثة من القانون الجنائي، ولا يهم تلميحاته لنادي القضاة الذي باسم استقلالية السلط حرمه بحق يراد منه باطل من حق التشاور وإبداء الرأي لا التشريع كما حول تمرير مغالطات..
كل الجمعيات المهنية دوليا يتم التشاور معها عند صياغة مشاريع هم جزء منها، وهم طرف في الجهة المنزلة والمنفذة، ضمن شراكة التبني لا التطاول، بلا تغول ولا تجبر والتوافقات تتم بالإفحام والإقناع لا بالقسم والسخرية حد القرق.
لا يهم هبة رئيس فريق البام ضد جمعيات حماية المال العام بخطاب شعبوي يدغدغ العواطف ويشيطن جمعيات المجتمع المدني العاملة في قطاع حماية المال العام، لا يهم رفض وهبي التأكيد على المرجعية الإسلامية في مقاصدها الكبرى وقيمها لحفظ الحقوق الفردية والجماعية، بحجة لم أسمع بها أبدا، تعدد الديانات في المغرب...
ونحن لا ديانة للمغاربة غير الإسلام وطائفة يهودية، التي لا تختلف عن مواطنيهم المسلمين إلا في مدونة الأحوال الشخصية والأسرة والزواج والإرث، والقانون الجنائي يسري على كل المغاربة، والمصدر القيمي الذي نبعت منه قيم العدل الإسلامية هو من مشكاة واحدة، يلتقي فيها المسلمون واليهود المغاربة.
ولا يهم دفوعات وهبي التي فتحت جدلا هامشيا يضر بوحدة أمة متعددة الروافد، لا يهم... مادام على رأس مؤسساتنا الدستورية أمثال زينب العدوي وعبد النباوي، وعلى رأس وزارة سيادية أمثال لفتيت... ورجال ونساء مؤسسات أمنية لا لواء لها غير علم الوطن... أعلنوا الحرب على الفساد...
فليطمئن المغاربة... غلق وهبي أبوابا صغيرة، بقوة التغول التشريعي، والأمور دول، قد يأتي زمن يصحح المسار، لا تهم النكسة وقد فتحتةالإرادة الملكية الباب الكبير لمحاربة الفساد برجال ونساء الدولة الأوفياء... فلكم موعد يا فاسدون... مع من أقسموا وما نكثوا، لا مع مراكز القرار السياسية.



تعليقات
0