جريدة تمغربيت|24 ساعة

مريض نفسي يذبح مريضا آخر: مأساة جديدة تسائل الحكومة حول قطاع صحي مهمل

nazil

في صباح قاتم من صباحات المغرب الحزينة، داخل أسوار مستشفى الأمراض العقلية ببني ملال، لفظ مريض نفسي أنفاسه مذبوحًا على يد رفيقه في الغرفة.

لم يكن مشهدًا من فيلم رعب، بل واقعة حقيقية تكشف قسوة الواقع، وجحيم الإهمال، وخراب المؤسسات.

مأساة دامية وقعت لا في الأزقة المهجورة أو تحت جنح الليل، بل في فضاء يُفترض أن يكون آمنًا، تحت سلطة وزارة، وفي حضن دولة يفترض أنها «تحمي مواطنيها».

الضحية لم يُقتل فقط بسكين، بل قُتل مرارًا بسوء السياسات، وغياب التأطير، وبؤس البنيات، وانهيار منظومة لا تزال تنظر إلى المريض النفسي كعبء وليس كإنسان.

وحدهم الأطر الطبية والتمريضية وقفوا في وجه هذه الكارثة، يحاولون احتواء الفاجعة، وسط ذهول ووجع وانكسار. كانوا هناك، بقلوبهم المنهكة، يرممون ما لا يُرمم، ويكفكون دموع العجز بأكمام ستر بيضاء لا تقي من العار ولا من الألم. هؤلاء ليسوا مجرّد موظفين، بل جنود يعملون في صمت، داخل مؤسسات مهترئة، بإمكانات شحيحة، وتحت ضغط نفسي لا يحتمله بشر.

كم من طبيب نفساني واحد يُطلب منه أن يسهر على عشرات الحالات المعقدة؟ كم من ممرض يسدّ مكان ثلاث؟ كم من ممرضة تنام وهي تخشى أن تستيقظ على جثة أو صرخة أو مأساة جديدة؟

ورغم كل ذلك، لا وزارة الصحة تعترف بتقصيرها، ولا الحكومة تبادر إلى إصلاح جذري ينقذ هذه المؤسسات التي تحوّلت إلى أماكن للعزل بدل العلاج، وإلى مساحات للموت البطيء بدل الحياة الكريمة.

جريمة اليوم لم تكن لتقع لو كانت هناك رقابة حقيقية، وبنية تحتية محترمة، وتكوين مستمر، وتقدير فعلي للمهنة الطبية والنفسية. لكنها وقعت لأن الحكومة اعتادت أن تدير ظهرها لصرخات الميدان، وأن تصمّ آذانها أمام تقارير مهنية صادقة تحذر منذ سنوات من الانفجار.

كيف يُترك مريضان في نفس الغرفة دون مراقبة؟ من سمح بأن توجد أداة حادة في جناح نفسي؟ أين البروتوكولات؟ وأين المسؤولية؟ بل أين الميزانيات التي تتغنى بها الحكومة كل موسم؟

ما حدث في بني ملال لا يجب أن يُختزل في بلاغ أمني، ولا في «تحقيق مفتوح» سينتهي كغيره في رفوف النسيان.

هذه روح بشرية أزهقت، وفريق طبي يعيش الخوف والخذلان في آن واحد. هذه لحظة حزن جماعي يجب أن تتحوّل إلى لحظة مساءلة وطنية: لماذا تُترك مؤسسات الطب النفسي وحيدة، هشة، مُهانة؟ لماذا نخذل مرضانا ونخذل من يداويهم؟

إن الصمت بعد هذه الفاجعة جريمة مضاعفة. ودم هذا النزيل يجب أن يصبح نقطة تحوّل، لا محطة عبور إلى النسيان. كما أن كرامة الفريق الطبي والتمريضي لا تقل قداسة عن كرامة المريض… فكلاهما ضحية. وكلاهما يستحق أن يُسمع، لا أن يُدفن.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت