لم تكن تعرف اسمها الكامل، ولا أحد كان يسأل. كانت تُلقّب بـ"ميّ الحاجة"، رغم أن ملامحها لم تكن توحي بالشيخوخة. تعيش في هامش الحياة، وتنام قرب مبنى مهجور في حي القدس بمنطقة البرنوصي في الدار البيضاء. تحمل رضيعًا صغيرًا في حضنها كمن يتشبّث ببصيص حياة وسط عاصفة قاسية. لم يكن لهما مأوى سوى الرصيف، ولا ظلّ سوى ظلال أعمدة الكهرباء.
لكن صباح الثلاثاء 24 يونيو، انكشفت الفاجعة التي لم يتوقّف الشارع عن تجاهل ملامحها: جثتان هامدتان لأم ورضيعها، مرميتان قرب المبنى المهجور، وقد طالهما العنف بنفس القسوة التي طالهما بها النسيان.
بالحجارة... لا بالرصاص
بحسب المعطيات الأولية التي حصلت عليها السلطات الأمنية، فقد بدت على الجثتين آثار ضرب مبرّح بالحجارة، في مشهد يُحاكي الهمجية أكثر مما يُحاكي الجريمة. الدماء تناثرت على الأرض، والرضيع، الذي بالكاد تجاوز شهره الأول، لم يُمنح فرصة الحياة.
ما كشفت عنه التحقيقات الأولية كان أشدّ وقعًا: الجاني، وهو بدوره مشرّد يعيش في الشارع، استغل ضعف الأم ووضعها الهش، فاعتدى عليها جنسيًا، قبل أن يهوي عليها بحجر قاتل، ثم على رضيعها، في جريمة لا تحمل سوى عنوان واحد: الانهيار الشامل لكل ما هو إنساني.
الجاني عاد... ليراقب
أفاد مصدر أمني أن المشتبه فيه عاد إلى مسرح الجريمة بعد ساعات من وقوعها، متخفيًا بين الفضوليين. عيناه تراقبان بصمت، ويداه لا تزالان ملطختين بالدم. شكوك رجال الأمن تأكدت حين لاحظوا آثار دماء على سترته، فتم توقيفه واقتياده للتحقيق، بأمر من النيابة العامة، في انتظار استجلاء باقي تفاصيل الجريمة.
لا قضية جنائية فقط... بل قضية مجتمع
ليست هذه مجرد جريمة قتل. إنها مرآة مشروخة تعكس هشاشة نظام حماية الطفولة، وغياب منظومة رعاية اجتماعية للنساء المتشردات، وترك الرضع عرضة للعنف والموت دون أن يرفّ جفن للسياسات العمومية.
أم ورضيعها قُتلا في صمت... ليس لأن قاتلهما كان أقوى، بل لأن المجتمع كان أضعف من أن يحميهما. فكيف يمكن لعاصمة اقتصادية بحجم الدار البيضاء أن تسمح بأن تُمزّق أمومتان في قلب حي سكني؟ وأين هي مؤسسات التدخل السريع؟ الملاجئ؟ دور الرعاية؟ بل أين هي الرحمة؟
الموت صرخة
حين تُقتل امرأة فقيرة برضيعها بالحجارة، فذلك لا يعني فقط وجود مجرم... بل يعني أن الجريمة كانت تسير بيننا كل يوم، حين كنا نمرّ بجانبها دون أن نراها، دون أن نسألها: هل أكلتِ اليوم؟ هل بردتِ؟ هل تحتاجين دواء أو غطاء؟ هل رضيعك بخير؟
اليوم، لم يعد السؤال مجديًا. الأم ذهبت، والرضيع تبعها. لكن الصرخة بقيت. صرخة تشقّ الإسفلت لتسأل: من القادم؟


تعليقات
0