جريدة تمغربيت|اخبار وطنية

حين يُقصىُ الحلم الفلسطيني من الامتحان: رقابة تربوية أم جهل بالثوابت الوطنية؟

40143732_p
أثار قرار المديرية الإقليمية للتربية الوطنية بالفداء مرس السلطان جدلاً صاخباً، بعد أن عمدت، في خطوة أقل ما يقال عنها إنها مستفزة، إلى استبعاد نص أدبي فلسطيني مدرج في كتاب اللغة العربية المعتمد في فلسطين، الطبعة المدرسية الرسمية، وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، من امتحان موحد للسنة السادسة ابتدائي بدعوى “الحساسية الوطنية”.

القرار، الذي تذرّع بما سُمّي تأويلاً سياسياً غير مناسب، كشف في العمق عن اختلال أخطر: جهل تربوي وسياسي فادح من قبل أحد المفتشين، الذي عجز عن التمييز بين دولة فلسطين التي تترأسها السلطة الشرعية بقيادة محمود عباس، والتي تربطها بالمغرب علاقات دبلوماسية كاملة وسفارة قائمة في الرباط، وبين تنظيمات أخرى تتواجد في قطاع غزة.

إن هذا الخلط المعيب بين مكونات المشهد الفلسطيني، من طرف مفتش يُفترض فيه قدر من المعرفة والتمييز، يُسائل ليس فقط قدراته التربوية، بل يقودنا إلى طرح تساؤل أكبر: هل بات بعض أطرنا الرقابية التربوية رهائن لخطاب أمني اختزالي، يخلط بين القضية والقضايا، بين النضال والإرهاب، وبين الذاكرة الجماعية والمزايدة السياسية؟

النص المستبعد، "الذكرى التي لا تموت"، لا يحمل أي دلالة تحريضية أو خطابا أيديولوجيا، بل يقدم مشهداً إنسانياً من مأساة اللجوء، يعيد إلى وجدان الناشئة صور الزيتون والليمون، ورمزية المفتاح التي تسكن ذاكرة الشتات. فهل أصبحت هذه الرموز "خطرا على الأمن التربوي"؟ وهل أصبح حق العودة، الذي تدافع عنه كل المواثيق الدولية، "تأويلاً سياسياً خارج الأهداف البيداغوجية"؟

هذا القرار لم يمر دون رد فعل. فقد بلغ صداه قبة البرلمان، حيث اعتبر النائب عبد الصمد حيكر أن استبعاد النص "استفزاز صريح لمشاعر المغاربة ومساس بقيمهم الجامعة"، وهو توصيف دقيق لحجم الانزلاق. فالقضية الفلسطينية، تاريخياً، ليست شأناً خارجياً بالنسبة للمغاربة، بل جزء أصيل من وعيهم وهويتهم. والرباط، ملكاً وشعباً، لم تتنكر يوماً لهذا المبدأ، وكان دعمها لفلسطين دوماً ثابتاً في المحافل الأممية.

إن التذرّع بالحساسية الوطنية أمر غريب وعجائبي .. ليس سوى قناع لرقابة قاصرة، تتخذ من "الحياد التربوي" مبرراً لطمس المضامين القيمية والوجدانية التي يُفترض أن تشكل ركيزة المنهاج التربوي.

وما حصل يُفصح عن نزعة رقابية لا تُعبّر عن روح المنظومة التعليمية المغربية، بل عن ارتباك فردي لمفتش – لحسن الحظ أنه القلة القليلة  التي ترتدي بدلة مراقب في منشأة نووية – فضل منطق الشك والرقابة على منطق التربية والهوية.

لقد آن الأوان لفتح نقاش جدي حول الكفاءات البيداغوجية لبعض من يتحكمون في مضامين التقييم التربوي. فأن يتحول النص الأدبي إلى "خطر محتمل"، ويُستبعد لا لضعف لغوي أو بيداغوجي، بل لأنه يستحضر فلسطين – فهذا ليس قراراً تربوياً، بل سقطة مهنية ووعي رقابي معطوب.

على الوزارة الوصية أن تبادر ليس فقط إلى التحقيق في حيثيات هذا القرار، بل إلى تحصين المدرسة المغربية من الجهل المقنع بالحساسية الوطنية الزائفة. ففلسطين ليست موضوعاً سياسياً خلافياً في المغرب، بل قضية وطنية ثابتة... وكان كاف أن يطلع هذا  المفتش على موقف الدولة الرسمي، ويتعلم من خطب ومواقف وأعمال الملك، ومن لا يميز بين سلطة شرعية وسفارة رسمية وتنظيم سياسي في غزة، لا يحق له أن يقرر ما يُمتحن فيه أبناؤنا.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت