جريدة تمغربيت|24 ساعة

بين إدريس لشكر وحسن نجمي: ومن المعارضه ما يفضح شهوة الغنيمة

https___cloudfront-eu-central-1.images.arcpublishing.com_le360_YPBXGFJVFRE7VBLRHSI72XEFLA

حسن نجمي.. شاعر ببطاقة ضائعة لتموين حزبي...

حبي للشاعر الفذّ "فارس العيطة"، هذا الأركيولوجي في الشعر الغنائي الشفوي الشعبي، المتغلغل في غياهب الإيقاعات المغربية، لا يخالطه سوى احترام مشوب بتحفظ كبير حول موقعه كمثقف يغازل اليسار، ويتمنّى له الخلاص.

لم أعاتبه يومًا بمرجعية غرامشي، ولا بأبيات المثقف العضوي، لأني أدرك إكراهات "المثقف العربي" منذ باع روحه لجوائز الخليج، - لا أقصدك  ما عاذ الله- أقصد محور تحالف  المال والحبر مم أجل "أدب الصمت"، ذلك الأدب الذي يمشي على رؤوس الأصابع كي لا يوقظ ضميرًا.

نجمي يعلم يقينًا هذا الزواج الكاتوليكي بين الأدب والصمت...وهو طبعا لا علاقة بالأمر  لكن يعي ما أقدم عليه الأخوة الذين تقلبوا في نعيم الدولار ، فلن يعد ممكنا الجمع بين قصيدة المقاومة وقبض شيك من إمارة، أو التغني بغزة على مسرح في أبو ظبي... ما عاذ الله نجمي بعيد عن كل الشبهات..

حسن نجمي لا يجهل سبب الصمت المطبق الذي يخيّم على المثقف العربي مما يقع في غزة ولبنان واليمن وسوريا.

هو فقط لا يريد موقفًا  قد يكلفه منصة مستقبلا  احتمال.لجنة أو جائزة... المبادئ تُباع كـ"خردة معنوية"، وتُشترى الذمم بـ"صفقات ثقافية عابرة"، ويظل شاعرنا، حين يظهر، يخفي أكثر مما يُبدي، ويذكّرنا بنوستالجيا "الاتحاد الاشتراكي" كمَن يبيع شعارات منتهية الصلاحية على رصيف المهرجانات.

يرتدي أمثال نجمي الأستاذ  بجرة قلم عباءة "المثقف الثوري" في الوقت الذي لا تفوح منه سوى رائحة "الانتهازية المزمنة". طالما رقص على أنغام حكومة اليوسفي وداخل خيمة الحبيب المالكي. ومارس "اللا موقف" ببلاغة شعرية مريبة.

يلوذ بالصمت المريب عندما تشتد الأزمات، ويجيد فن التخفي خلف الغموض حين يتعلق الأمر بقضايا كبرى مثل الصحراء المغربية أو التطبيع مع إسرائيل... وغزة ولبنان...

فقط حين يتعلّق الأمر بإدريس لشكر، يكسر صمته على صخرة تصفية الحساب، كما لو كُلّف بمهمة "كسر العظام"، وهي مهمة  يكلف بها أحيانا البعض قصد الترويض السياسي..

كلما تعلق الأمر بالأنظمة الرجعية أو بمجازر غزة أو بفضائح الطغاة. أما حين اشتدّ الخناق على الغزاويين،  آثر نجمي "العيطة" على "العياط".... 

في جائحة كورونا فقط، كتب قصيدةً...

لأن الفيروس لا يغضب نيرون ولا الهكسوس ولا المانحين الطيبين.جدا.... أما قبلها، فظل يوزع حكمته المسكوكة من لغة الخشب، يقتات من شعارات اليسار في المقاهي الأدبية والندوات، بينما يشتري صمته حين تُفتح ملفات الفساد. صمت عن تطبيع رسمي، وتجاهل تواطؤ حكومي، ولم ينبس بكلمة عن الضغوط على المثقفين، ولا عن جحيم الفقراء. أما حين جرد من مناصبه، فتذكر فجأة أنه "مناضل".

لم ير سوى في العيطة ملجأً لزمن طويل، كما فعل كثير من "المنكفئين"، ممن اختاروا اللجوء إلى أمجاد غابرة خوفًا من الاصطدام بجبهة تماس السلطة، وجبهة الدولار الخليجي، ذلك الدولار الذي جعل الشعر مجرد خيمة لا يجب أن تُغضب شيوخ النفط.

لماذا انتصر إدريس لشكر؟ وكيف انكشف حسن نجمي؟ ببساطة لأن لشكر، رغم كل التحفظات، هو حصان السياسة الذي يركض بثبات. براغماتي عقلاني، يمارس السياسة بلغة الواقع المغربي، لا بلغة قصائد مائعة. قد نختلف معه، لكنه لم يتخفّ خلف الشعر، لم يتذرّع بالغموض، ولم يبعنا شعارات ترويجية منتهية الصلاحية.

إدريس لشكر لم يكن ظلًّا للسلطة، ولم يكن دمية للمعارضة. أعاد ترتيب أوراق الحزب في عزّ العواصف. قد يخسر الوجدان الشعبي، لكنه يربح المؤسسات. لذلك فاز، لأنه لم يجعل من الشعر معركةً وهمية ولا من القصيدة حزبًا عائليًّا. فاز لأنه يعرف أن الكراسي تُبنى بالتنظيم لا بالقصيدة، وبالموقف لا بالمرثية.

في المقابل، يجسّد حسن نجمي سيرة المثقف الانتهازي: "اشتراكي بالكلام... ليبرالي بالممارسة... شاعر عند الحاجة".

منصبه في جوقة المالكي كان بوابة لصياغة نفوذ داخلي داخل حزب يمشي على جراحه. تحوّل من كاتب مجهول الهوية إلى "ساعي بريد" بين الأدب والحزب. رفض وزارة الثقافة مع اليوسفي، فقبل أن يكون بوقًا ثقافيًا في عهد المالكي، ثم انتفض بعد سحب الكرسي مع لشكر، وكأن المنصب وحده يُنتج الموقف.

الآن يدعو نجمي إلى مؤتمر لإنقاذ الحزب....

يبدو كمَن يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بعد أن صمت عن الانحرافات، وساهم فيها، وباركها من خلف الستار...

نجمي الآن "متسول حزبي لكن بشرف وكبرياء"، يطلب فرصة ثانية من تاريخ لم يمنحه سوى لقب شاعر المنصات. شاعر بلا موقف، يحوّل الشعر إلى مظلة انتهازية، والقصيدة إلى وسادة للنوم السياسي.

فيا صديقي الشاعر، قل شيئًا عن العالم الذي ينهار. عن غزة التي تُباد. عن شعب يئنّ تحت وطأة أخنوش وغلاء المعيشة. عن فلسطين، عن اليمن، عن الكرامة.. 

لا تظلّ حبيس العيطة، كما يفعل كل من حوّل القصيدة والرواية إلى ممر عبور نحو الجوائز. الوطن لا يحتاج قصائد وسرد يهرب من الأوطان، بل يحتاج رجالًا... لشكر مجرد عابر سياسي... اختر جبهة  الخلود...

قد نختلف مع إدريس لشكر. هذا طبيعي. قد نراه براغماتيًّا قاسيًا، لكن على الأقل لم يلبس قناع الشاعر حين طُلب منه القرار. مارس السياسة بموقف، لا بقافية. خسر كثيرًا، وربح حزبًا لم يتلاشَ. أما أنت، فقد ربحت صمتًا طويلًا، وخسرت نفسك في دهاليز الخرجات النشاز.

 حسن نجمي شاعر الهزائم ولا الولائم الحزبية... الجواب عند المالكي... وظلال دواوين خفية...ولشكر قائد واقعي... في زمن تتناقص فيه القيم، يكشف الصمت المريب أكثر مما تقوله القصائد. والشعر، حين لا يقف مع الحقيقة، لا يساوي أكثر من زينة لغوية على حواف الخيبة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت