أيها الشعر،
تحمَّل قليلًا، فالموازنة لا تكفي إلا للحفلات التي تُلقى فيها الأوراق لا القصائد، وتُنشد فيها "هزّي كتافك" لا "هزّي القصيدة"... كم نحبك ياطوطو.... لأنك شاعر تجمع الملايين.... ونحن الشعراء... تهرب منا حتى الكراسي...
لا مكان لكَ أيها الشعر، في وزارة المهدي بنسعيد...التي ترى في القصيدة مخاطرة استثمارية، وفي الشاعر مخلوقًا ما قبل الحداثة الرقمية.
نعم، وزارة بنسعيد لا تخجل أن تقولها بين السطور:"نحن مع الإبداع… بشرط أن يُترجم إلى نسب مشاهدة وتغطية إعلامية بلا وزن ولا قافية".
في بلاد الشعر القديم... يموت المهرجان الغارق في استعارات شفشاونية....
مهرجان الشعر المغربي الحديث بشفشاون، في دورته السادسة والثلاثين، أُجّل، تأجّل، وربما أُجّل إلى إشعار تنموي غير ثقافي.... الشعر لا يخيف.... لا يعارض.... لا يشاغب.... شعر هذا الزمن....طيب جدا... ليس كالإعلام... لهذا لا حاجة لترويضه بالدعم العمومي....
والأسباب؟ كثيرة، وكلّها غير شعرية:
لأن الشعر لا يدرُّ دخلاً ولا يُصوَّر عموديًا للريلز...
لأن الشاعر لا يملك Sponsoring ولا يوقّع عقود بث مباشر....لأن القصيدة لا تُغنَّى على إيقاع المهرجانات الصيفية ولا تُرفق بها إعلانات مشروبات الطاقة... ولا تدخن لفافة حشيش، ولا تصنع كناية عارية الأثداء...
الوزارة، التي تمتلك فائضًا في الصمت وعجزًا في الرؤية،
قررت أن الشعر "حاجة ثانوية" في مغرب الأولويات المتحركة....والحق أنها لا تُخطئ تمامًا... الشعر فعلاً لا يواكب المرحلة....فهو لا يُباع بالكيلو، ولا يُعرض في قاعات VIP، ولا يلبس ماركة الثقافة الرسمية.
منذ مجيء الوزير بنسعيد، تحوّلت الثقافة من مشروع وطني إلى موسم ترفيهي له طقوس ومتعهدون ومؤثرون.... الشعر متمرد على البساط الأحمر... لا يشرب الجعة على الطريق....
تم تذويب الإبداع في خلطة اسمها "الصناعة الثقافية" حيث: تتحول القصائد إلى محتوى "متفاعل" وتُقاس أهمية الفعل الثقافي بعدد كاميرات البث ويتم تقييم المهرجانات الشعرية وفق معيار "هل فيها DJ... هل فيها صخب ينسي القهر اليومي...إذن لا حاجة لنا في الشعر... الشعراء يتبعهم الغاوون...
ماذا فعلت الوزارة العتيدة؟
دعمت مهرجانات الجوقة والجعجعة، وتنكرت لمهرجان شفشاون الذي لا يجيد سوى إنشاد الحقيقة ،فالقصيدة لا تليق ببروتوكول الوزارة، دعونا نكون صرحاء: القصيدة لا تصلح لحفلات تدشين السياسات العمومية، ولا تليق بصورة الوزير مبتسمًا وهو يلوّح بجائزة "أكثر تغطية".
القصيدة حرة، غير مُرقمنة، لا تصطف، ولا تُصنَّف في ملفات طلب التمويل.
شفشاون، المدينة الزرقاء التي تحرسها القصائد،
لم تجد من يحرس مهرجانها… لا من الجماعات، ولا من المجالس، ولا من الوزارة التي نسيت أن الذاكرة الثقافية لا تُصنَع بالبوستات الرسمية.
القصيدة لا تموت… بل تُؤجل
قد يُؤجَّل المهرجان، لكن الشعراء لا يتأخرون.
لا يحتاجون إلى مصادقة لجنة أو إمضاء وزير.
الشعراء لا يملكون ميزانيات، لكنهم يملكون ما لا يُشترى: الكرامة الإبداعية.
هذا المهرجان، الذي انطلق سنة 1965، احتضن جراح العرب وجمالياتهم،
مرّ به السياب، والبياتي، ودرويش، وأدونيس، والمجاطي، فهل يُعقل أن تردّه وزارة حديثة الولادة بحجّة "عدم استيفاء الشروط"؟
أي شروط؟ أن يُرقص الشعر؟ أن يُطبع على تيشيرت؟
وزارة الثقافة ليست جهة داعمة… بل جهة غافلة عن قيمة الشعر.... الشعر ضرورة....
أيها الشعر، لا تحزن…
في شفشاون ما زالت القصائد تتكئ على الجدران،
وفي قلوب القرّاء مكان لك،
أما الوزارة؟ فقد امتلأت حتى الثمالة بـ"الأنشطة ذات الصلة بالمجتمع"،.ونسيت المجتمع الذي له صلة بالشعر.
فليُؤجل المهرجان،
وليصمت الرسميون في مكاتبهم الواسعة،
لأن الشعر لن ينتظر دعوة وزارية، بل سيأتي، كما كان دائمًا، دون إذن أو موعد.
نأسف يا جمعية أصدقاء المعتمد...
فالمؤجل ليس المهرجان... بل رؤية استثمارية في الثقافة صعب أن يتمثلها المهدي بنسعيد... والشعر أول ضحية للعقل المقاولاتي في التدبير الحكومي.


تعليقات
0