جريدة تمغربيت|24 ساعة

السوق السوداء للأدب….جاسوسية القلم

IMG_20250529_230944_625

إنهم يضطربون... يخافون... يحاصرون... يحظرون... يكيدون... يختفون وراء ألقاب" قليشية" أكاديمية الورق، ريعية النفق...

يتكتّلون في جماعات، يتقاسمون الأدوار: بعضهم في مواقع جامعية وأكاديمية مرموقة، وبعضهم في مؤسسات ثقافية مقرصنة، وبعضهم ظهير لبعضهم، يحرسون وهمهم بتراتبية طقوسية...

فيهم شبه الناقد الذي حفظ جهازا مفاهيميا ينزله  لكل نص، وردف وخف ولص، أجر قلمه لمنصات التفاهة، والكتابة غدت عنده ولاء رد دين  أكاديمي السيرة...كتابة...ساعية إلى ريادة مزيفة... فيها ألقاب النبلاء... في فيودالية النظام  الثقافي الريعي... فيها نبيل بدرجة الفذ...والقدير... والرائد.... والمؤسس... والمقتدر... والنسر والقلعة...والعبقري الألمعي... الذي لا يشق له غبار...

أينما حل حلت معه نعمة المديح... لأن معه الغنيمة سخية، ورد الدين يتم ثقافيا ... ولو في خفاء وبقناع رهبان معابد الكتابة.... وفيها.... ما فيها من ظواهر لغوية.... تتقن لعبة التوهيم بالمصطلح.... وتخمة.... الغرب اللغوية

وفيها الكاتب الذي صنع له مريدين من طلبته وذويه وزملائه... يكتب.... وزميل له قادر على تصريف نصه عبر بحوث طلبته.... الدائرة مغلقة.... لكنها تمتد لما وراء البحار.... والدين الثقافي يرد بمنصات غارقة في الوهم.... ومقالات غارقة في عفن المؤامرات في مطابخ سرية.

وفي زمن العجائب، صار لكل "شيخ أكاديمي" كتبة " يكرمونه.... يحتفون  به... حد التخمة... ما أشق على كبريائنا أن  يعمم كاتب ما، ورقة نقدية عن نصه، شاكرا الناقد... والجريدة... والصحفي.. ومسؤول الصفحة الهلالية...

الشعر عهروه حتى صارت له خيام رايات حمراوات، واحتفلوا بجثته بأموال الشعب، ولكل منهم دور في خيمة "الشعر الرسمي"، لكن لبن الدار لا يُقدَّم إلا لأهل البيت...

منهم من يملك القدرة على الطبع والنشر وشراء ما يطبع... كل شيء على نفقته، وكل دار نشر تفتح له بوابتها... وراءه جوقة بمزمار وطبالين، تزدحم في لقاءاته  القاعات.... لأنه اسمه كاف، كجواز تسلق طبقي...

وهو مطلوب، لأنه يضمن الربح قبل التوزيع... لأنه ثري الكتابة قبل الكتابة..

ومنهم من قبض الثمن من وراء البحار، بعد أن قدّم خدمات أكاديمية مشبوهة، وأجاز ما لا يجوز، لأنه يعرف كيف يستثمر منصبه الأكاديمي...لصناعة نخبة مزيفة، لكنها وفية، تعرف متى تردُّ الدَّين.

لا غرابة أن نجدهم في لجان التحكيم،

ثم نراهم بعد ذلك متوَّجين بجوائزهم...

هم القاضي والمتهم والشاهد والمحتفي والمحتفى به...كأنها مافيا ثقافية تمتد من الماء إلى الماء.

إنهم جزء من استراتيجية كبرى:

صناعة الوهم، تتفيه الذوق، تخدير المجتمع،

وعزل النص الإبداعي عن قضايا الإنسان،

وتحويله إلى عرض فولكلوري يُرضي شهوة استعمارية نوستالجية.

حين نقول إنهم جبناء بلا قضية، وكتّاب بلا أفق سوى المال والمواخير المقنّعة، فإننا نصف واقعهم الحقيقي...

يتكتّلون ويمارسون البغاء الثقافي...أما الأدب الحقيقي، فمحاصر...وأدب الملاهي والمراقص والكذب والمعاول

مقدَّم حدَّ الغثيان.

أقلام تُغمس في عرق المواخير،

من تركيا إلى التايلاند...

وحين أدركت بعض الدور الثقافية أن "الكتاب"..غدا مجرد "صورة سيلفي"، خرج علينا مقتنو الروايات ذات العناوين الغربية، وصار اقتناء دوستويفسكي وتولستوي وغوركي وبالزاك وزولا وهيغو وهِمنغواي ....مناسبةً للفخر والتباهي، لا للقراءة.

الكتابة تحت الطلب أصبحت ماكرة، مسكونة بالجوائز والمنصات، ابتعدت عن الشعوب، وعن خطوط التماس مع الأنظمة، وهربت نحو الماضي، فأُصبنا بتخمة فولكلورية:

من ابن سينا إلى محنة ابن رشد.... كأن لا محن لنا في حاضرنا المخيف..

ومن القبب إلى خواطر الطفولة... كل طفولة مشروع رواية...سير ذاتية ملتوية الضمائر....

نصوص كثيرة تُسرَق من الأدب الغربي، ويُلبَسُها أصحابها عباءة عربية، لكنها بلا هوية، بلا بصمة، صالحةٌ لكل زمان ومكان... أي أنها غير صالحة لأي زمان حقيقي.

الكونية الأدبية لا تعني مسخ القضية، ولا انتزاع الجمالية من جذورها.

تكاد فلسطين تُغيب، وغزة غير مطلوبة، كأن دم الأطفال لا يصلح للأدب، حين تستدعى فلسطين تستدعى فقط لإرضاء تيارات مضادة لقوى إقليمية... تصبح القدس... مجرد قصة أسير من قبيلة العجين... أو عشق عبري... بلا وطن عربي... عشق خارج القضية، لكنه ممكن الشهية الكولونيالية.

ويكاد التطرف يكون جوهر كل نص يريد الكونية،  فكل عمل يتبرأ من الإسلاميين، وينتصر للجندرة والحريات المُعلّبة، هو مشروع جائزة دولية.

كل نص يهرب من فلسطين، يُعتبر آمنًا، صالحًا للتداول، وكل استحضار للمتنبي أو ابن حزم أو الغلمان والجواري، ولابن سينا، والأندلس العاشقة، أقرب الطرق للنشر والتتويج... 

لا تكره إسرائيل، لا تهاجم المثليين، لا ترفض السحاق،

لا تأخذ موقفًا من التسلط والقمع... .وستحصل على منصب، وجائزة، ومنبر.

ضع مسافة بينك وبين الواقع العربي، وابحث عن قلاع الماضي...

الرواية التاريخية صارت حصان طروادة لكاتب جبان،

يخاف من الحاضر...يبحث عن حكاية ترضي المانح، والسائق والبائع، والماتع، يكتب عن التاريخ كوسيلة للهرب لا للمساءلة، يُجَمِّل السلطة ويخدع الرقابة، ويلعن صلاح الدين، ويُعيد إنتاج ضغينة المستشرقين الجدد الذين هم منا، ويشكك في كل يقين:

أن مكة ليست مكة، وأن الأقصى مسجد عابر، وأن تاريخنا سلسلة من السبي والبداوة....

لقد فهموا المعادلة...بشبه الأدب، يمهدون لخريطة جديدة، والمدخل هد كل يقين تاريخي مشترك، وصناعة رموز ثقافية مزيفة....

فالغرب يمنح الجوائز لمن يحوّل اليقين إلى عجين، ويُطبّل لبنادق العسكر، ويهتف لهلوسات "الغفر".

هذا التهافت على المتن التاريخي، انحدارٌ قاسٍ في الخيال، تماهٍ خبيث مع أدبٍ يقول كل شيء ولا شيئا.

الرواية الحديثة أصبحت رقصةً على محور العُري الليلي،

مُفرغة من أي هوية، تبيع نفسها للغرب وللأنظمة، تلبس شهوة الجواري والخصيان والمماليك.

الموضة الجديدة:

كن كما يريدونك، نسخة عربية جميلة ترقص أمام غرب منافق، لم يعد بحاجة للمستشرقين بعد أن صار بعض أبناء الضاد يقتاتون من شجرة العروبة... ويقطعون أغصانها.

الهروب نحو التاريخ مبرَّرٌ في الأنظمة اللاديمقراطية، لكن حين تكتب الأقلام الجبانة، تصبح الرواية التاريخية فولكلورًا نخبويًا، لغةً بلا نَفَس، خيانةً للراهن، هروبًا من الحقيقة...

ليس عيبًا أن نكتب داخل التاريخ، لكن العار كل العار أن ندّعي كتابة رواية تاريخية، وهي مجرد حكاية فولكلورية جوفاء.

الرواية العربية اليوم تفرّ من الواقع، تتجنّب الحاضر،

تخاف من الدم، وإن لامست الحاضر.... كان حاضر شهوة أو طفولة، أو عشق مسافر في الجغرافيا....

الرواية العربية جبانة.... حين تتفادى الظلم، وتنتصر لقبلة على الدرج، حين  لا ترى القهر وتتهم نخلة بالغفلة،  حين لا تدين النهب والسلب،  وتلوذ بالتاريخ المزيّف... والموت بيننا، في الزنازين والمنافي...والرواية التي تنعش فوضى المماليك وأسرار الجواري وزرياب الحشاشين... وتلوذ في طفولة بهيى لا توجد إلا في عقل روائي يجيد الرقص مع الضباع والأتباع... رواية... منصات عارية النوايا...

إنها سوق سوداء للثقافة...أدبٌ يُباع ويُشترى كعطور مزيفة في سوق نخاسة، وسيطرة مافياوية تُعيد تشكيل الذوق العربي...ليصبح طيعًا، منزوعًا من جذوره، ومنكفئًا على شبق الجوائز، مستسلمًا للعار...

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت