في لقاء جديد لا يخلو من الترقب والحذر، اجتمعت الحكومة المغربية، يوم الخميس 17 يوليوز 2025، مع المركزيات النقابية وممثلي صناديق التقاعد، ضمن أشغال اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد. الاجتماع، الذي ضمّ كلاً من الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR)، و CIMR.
جاء تحت لافتة "إصلاح شمولي وعادل"، لكنه في العمق يكرّس استمرارية نهج تقني – تفاوضي مشكوك في صدقيته وجدواه.
حضور تقني... دون صلاحيات حقيقية
رغم إشراك ممثلي الصناديق في الاجتماع، إلا أن الحسم يظل بيد الجهاز التنفيذي، مما يجعل من هذه اللقاءات أشبه بـ"تمارين تشاورية" لا تغير شيئًا في جوهر القرار.
فالحكومة تواصل الدفع نحو ما تسميه "توحيد الأنظمة"، و"تحقيق التوازن المالي"، و"رفع سن التقاعد"، ورفع مساهمة الأجراء والموظفين، وتخفيض المعاش، وهي إجراءات سبق أن تم تمريرها جزئياً منذ 2016 دون أن تُفضي إلى أي حل مستدام.
إنّ حضور الصناديق ليس أكثر من ديكور تقني لإعطاء طابع تعددي للنقاش، في حين أن خيارات الإصلاح محكومة مسبقًا بتوصيات تقارير البنك الدولي، دون إنصات فعلي لمطالب النقابات أو لمصير الطبقة الوسطى المنهكة.
الحكومة وتكتيك "التسويات الممكنة"
في قراءتها للوضع النقابي، تبدو الحكومة واعية بحدود الفعل الاحتجاجي للنقابات، ولذلك فهي لا تراهن على توافقات استراتيجية، بل على تسويات ظرفية صغيرة تضمن تمرير الإصلاح في أجواء خافتة.
تعتمد هذه المقاربة على تسويات خفية مالية وتمثيلية، مثل مفهوم التمثيلية وفق مؤشر النقابي النشط، ومعايير الدعم وفق مؤشر الليونة في التفاوض، ويظل رهاب الحفاظ على مناصب تمثيلية خارج مفهوم التمثيلية الفاعلة ، وسكوت الحكومة عن مواد أصيلة في الإصلاح النقابي مداخل حاسمة في ترويض الشغب النقابي.
وبمنطق براغماتي تحولت النقابات من فاعل اجتماعي إلى شريك في تنفيذ قرارات مؤلمة، دون أن تكون لها القدرة أو الإرادة لتغيير قواعد اللعبة.
نقابة مخاريق: من الضجة إلى التصويت!
أوضح مثال على هذا المنطق هو ما حدث مؤخرًا مع الاتحاد المغربي للشغل (UMT)، بقيادة الميلودي مخاريق.
ففي ملف ضم صندوق كنوبس إلى صندوق التضامن الاجتماعي، حيث أثارت النقابة ضجة إعلامية معتبرة أن الضم "إجهاز على المكتسبات" و"تمهيد لخوصصة مقنّعة".
لكن المفاجأة كانت حين صوتت النقابة نفسها لصالح الضم تحت قبة البرلمان، ما يكشف عن تناقض فادح بين الخطاب الإعلامي والموقف المؤسساتي، ويطرح أسئلة جوهرية عن مدى استقلالية القرار النقابي، وصدق التزامه بقضايا الشغيلة.
هذا السلوك ليس استثناءً، بل أصبح ممارسة متكررة، تُستغل فيها قضايا حيوية مثل التقاعد والتغطية الصحية كأوراق مساومة، تُستخدم في صفقات غير معلنة بين الحكومة وبعض النقابات.
من فشل إلى فشل: دروس من الإصلاحات السابقة
تاريخ إصلاح التقاعد في المغرب مملوء بالتراجعات. فإصلاح 2016 الذي رفع سن الإحالة إلى 63 عامًا وقلّص المعاشات، مرّرته حكومة بنكيران بتبرير "الإنقاذ من الإفلاس".
لكن بعد 9 سنوات، لم يتغير شيء في اختلالات الصناديق، بل تفاقم العجز، واستمر إفراغ النظام من بُعده التضامني والاجتماعي.
وفي كل هذه المحطات، فشلت المركزيات النقابية في بلورة بدائل جريئة أو تحصين المكتسبات، بل انخرطت في صفقات أو انسحابات، جعلت القواعد العمالية تفقد الثقة في جدوى النضال النقابي المؤسساتي.
إلى أين يمضي "الحوار الاجتماعي"؟
إن استمرار هذا النمط من الحوار، القائم على مشاورات شكلية وتكتيكات التسوية، يفرغ التفاوض الاجتماعي من معناه، ويُحوّل قضايا وطنية كبرى إلى مواضيع تفاوض سياسي محدود الأفق.
فلا يمكن إصلاح أنظمة التقاعد دون مساءلة الدولة عن مسؤوليتها في تمويله كخدمة عمومية، ودون شجاعة في محاسبة الاختلالات وسوء التسيير، ودون احترام حقيقي لذكاء المواطن المغربي الذي لم يعد يصدق مسرحيات التوافق والتشاور.
الحكومة تُدير ملف التقاعد بعقل تقني وبروح صفقة، والنقابات – للأسف – تُسهم في شرعنة هذا النهج، إما بصمتها، أو بتصويتها، أو بتناقض خطاباتها.
أما الحوار الاجتماعي، فقد أصبح مجرد مسرح ظلّ، يتكرر فيه العرض نفسه بأسماء مختلفة... بينما تستمر الشغيلة في دفع الثمن.


تعليقات
1