"الدولة الاجتماعية" يا أخنوش، ليست شعارًا برّاقًا تتشدّق به تحت قبة البرلمان، ولا مشهدًا تمثيليًا تتفنن في أدائه نائبة اختلط عليها التمثيل الدرامي بالكوميديا البرلمانية، وليست منجزات يتلوها الوزير الراقص في جمع يدغدغ مشاعرك، ولا جملة إنشائية تُسوّق في الحملات الانتخابية.
الدولة الاجتماعية فلسفة حكم، ورؤية عادلة لتدبير الثروة وتوزيع السلطة وصون الكرامة الإنسانية.....
لكنها في مغرب سنة 2025، تحوّلت إلى شعار أجوف، يتوارى خلفه واقع اجتماعي مأزوم، واقتصاد هش، ومجتمع يسير بخطى متعثرة نحو مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.
الأرقام لا تجامل، ولا تخضع لتزييف الخطاب الرسمي. فوفقًا لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، ترى 76% من الأسر أن مستواها المعيشي قد تدهور خلال السنة الماضية، فيما لا تتجاوز نسبة المتفائلين بالمستقبل 6.8%.
وهذا الانهيار الصارخ في الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي ليس مجرد رقم عابر، بل مرآة تعكس انكسار الأمل وتآكل العقد الاجتماعي المفترض أن يؤطّر علاقة المواطن بالدولة.
في مغرب الدولة الاجتماعية، يسود القلق الجماعي، وحين تعبّر 71.8% من الأسر عن توقعها لارتفاع البطالة، فالمسألة لم تعد مجرد أزمة شغل، بل أزمة ثقة عميقة في المؤسسات، وفي قدرتها على تدبير الحاضر واستشراف المستقبل. إن الأزمة هنا لا تكمن فقط في نقص مناصب العمل، بل في فائض الخطاب السياسي، وعجز السياسات العمومية عن بناء حدّ أدنى من الأمان الاجتماعي الحقيقي، لا الصوري.
من يحمي الفقراء في زمن الدولة الاجتماعية؟ من يتكفّل بالطبقات المقهورة؟ يا من قضيت ليلتين في كلماز الجريحة، ويا من هُدّت بنيتك الاقتصادية لأن "رهطك المقاولاتي" يشكّل ثلثي مقاولات المغرب، ويا من خانك لسانك فزعمت أن الاستثمار لا يحتاج إلا إلى "الرجال ومولاي"، فنسيت النساء اللواتي يستثمرن في صمت، في القطاعات الكبرى، أو في تعاونيات نائية بسيطة.
إنهن "رجل أو مولاي" بصيغة المؤنث، لأنهن لا يقفن في طوابير قففكم الموسمية، ولا ينتظرن دعمكم الموجع حدّ الإهانة.
وحين ترى 94.2% من الأسر أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل صاروخي، وتتوقع 78.9% استمرار هذا الغلاء، فمن حقنا أن نتساءل: أين دور الدولة؟ هل تخلّت عن مهامها وتحولت إلى وسيط محايد بين السوق والمواطن؟ أين هي أدوات الضبط والحماية الاجتماعية؟ أين السياسات التي تُلزم الأسواق بالعدالة في الأسعار؟
لم يعد المواطن المغربي يطالب برفاهية العيش، بل يسعى فقط إلى البقاء، إلى تأمين يومه بمعاناة صامتة، وسط اتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع إمكانيات الصعود الطبقي.
إن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل منظومة قائمة على توزيع عادل للثروة، وإتاحة حقيقية للفرص، وكرامة مصانة للفرد.
الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تقوم على الشعارات، بل على الاعتراف بالاختلالات، ومراجعة الأولويات، والقطع مع المقاربات النيوليبرالية الفاشلة. إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة حكومية عابرة، بل أزمة بنيوية عميقة تمسّ النموذج التنموي، وتفضح عجز الحكومة عن التحول من أداة ضبط وتبرير، إلى مؤسسة للرعاية والإنصاف.
وفي ظل غياب سياسات ضريبية عادلة، واستمرار الريع، وتهرب الطبقات النافذة من تحمل مسؤولياتها الاجتماعية، سيظل شعار الدولة الاجتماعية حبرًا على ورق، بل خدعة سياسية تُمارس عبر أدوات الترويج والتجميل الخطابي.
لقد آن أوان المكاشفة يارجل ومولاي". فنحن أمام مفترق طرق: إما مراجعة جذرية للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية، تقطع مع الفساد البنيوي والتفاوتات المجالية واحتكار القرار، وإما مزيد من التفكك الاجتماعي والانفجار الصامت.
المواطن المغربي لم يعد يصدّق الرواية الحكومية، ولا يعوّل على وعودها. لقد انسحب من رهان الإصلاح، وأعاد ترتيب أولوياته بعيدًا عن خطاب السلطة، باحثًا عن بدائل في التضامن العائلي، أو الهجرة، أو الاحتجاج الصامت. وكلها مؤشرات على أفول روح المواطنة الفاعلة.
الدولة الاجتماعية ليست نصًا دعائيًا، بل بنية أخلاقية واقتصادية متكاملة، تُقاس بمدى تحقق العدالة، لا بعدد المبادرات أو مؤشرات الاستهلاك الإعلامي. والمؤسف أن الحكومة الحالية ترفع هذا الشعار في وقت تنكرت فيه لكل شروطه المادية والسياسية. فإما أن تتحقق الدولة الاجتماعية في واقع الناس، وإما فلتصمت الجهات التي تحوّلت إلى خبراء في بيع الأمل الكاذب.


تعليقات
0