جريدة تمغربيت|24 ساعة

مثقف تحت الطلب: في معنى الصمت العربي أمام محرقة غزة

1753103951977

حين يتحوّل الدم إلى مشهد يومي، وتجويع الأطفال والشيوخ والنساء إلى عار عالمي والدمار إلى خلفية لصمت بارد، تطرح المأساة سؤالاً لا يخص السياسة وحدها، بل يتعلق بجوهر الثقافة: أين اختفى صوت المثقف؟
في حرب غزة المتواصلة، لم يكن الصمت العربي مجرّد غياب صوت، بل علامة وجودية على تحوّل عميق في وظيفة المثقف ودوره وموقعه داخل الحقل السياسي الرمزي.

نحاول هنا تفكيك هذا الصمت، لا بوصفه تقصيراً فردياً، بل نتيجة لتراكم تاريخي من الانضباط المؤسساتي، والمراوغة الإيديولوجية، والانخراط الاضطراري في اقتصاد المعنى المُعقّم.

المثقف في لحظة العجز: حين تُصبح الكلمة رفاهية العربي

بدا أن الكثير من المثقفين في ذروة الحرب على غزة، آثروا الانكفاء على الذات، أو الانشغال بقضايا جانبية، أو التزام خطاب "الحياد الأكاديمي"، وكأن الحديث عن إبادة شعب بأكمله لم يعد من وظائفهم.
يُطرح هنا سؤال جوهري: هل ما زال المثقف يحتفظ بالحق في الصمت حين يصبح الصمت مشاركة في الجريمة؟ إن الصمت العربي لا ينفصل عن السياق السياسي للتطبيع، الذي لم يكن اتفاقاً ديبلوماسياً فحسب، بل مشروعاً لإعادة تشكيل الخيال السياسي والثقافي.

لقد وُضِع المثقف أمام معادلة صعبة: إما أن تصمت، أو تتكلم ضد التيار وتُحمَّل تبعات القول.

ولأن الدولة، من خلال الإعلام والتعليم والفضاء الرمزي، ضبطت حدود الكلام الممكن، تراجع عدد كبير من المثقفين عن أداء أدوارهم النقدية، واختاروا الصمت الآمن بدل المواجهة العارية. . لقد تحول عدد من الأساتذة والمفكرين إلى "مقاولين معروفيين في ظل بيروقراطية جامعية خانقة، ومشاريع بحثية ممولة من جهات خارجية، يشتغلون على قضايا مريحة دولياً كالجندر والبيئة والتنمية، مع تهميش ممنهج للقضايا السياسية التحررية، وعلى رأسها فلسطين. بهذا، صار المثقف منتجًا لخطابات لا تُحرج أحداً، بل تتماهى مع السوق العالمية للمعنى، وتحولت فلسطين من "قضية مركزية" إلى "ملف رمزي مثير للجدل".

الصمت كأزمة ضمير: المثقف بين المعرفة والاختبار الأخلاقي

ليست المشكلة في غياب المواقف، بل في غياب الرغبة في أن يكون للموقف ثمن.الصمت هنا لا يُعبّر عن حياد فلسفي، بل عن خسارة المعنى الداخلي لفعل الكتابة والشهادة.

إن ما جرى في غزة كشف أن كثيراً من المثقفين فقدوا موقعهم كضمير مجتمعي، وأصبحوا مراقبين باردين لتاريخ تُكتب فصوله بالدم.فماذا تبقى من المثقف؟ وهل من أفق جديد للكلمة الحرة؟

إذا كانت الحرب على غزة مرآة للضمير العربي، فإن التجربة العربية تكشف أن استعادة دور المثقف يمر عبر: تحرير الكلمة من رقابة الدولة والسوق. والعودة إلى القضايا الجذرية التي تشكّل وعي الأمة.

قصد إعادة بناء حقل ثقافي مستقل، ملتزم، ناقد، وغير مرتهن للتمويل أو الإملاء المؤسسي. فلا معنى لمثقف لا يشهد، ولا قيمة لفكر لا يُحرج، ولا مستقبل لأمة تسكت نخبتها حين يُباد شعب أعزل على مرأى العالم.

إن غزة ليست بعيدة كما أنها ليست غزة مجرد جغرافيا من الدم، بل اختبار أخلاقي يمتحن جوهر المثقف العربي اليوم. وإن كان الصمت لغة، فهو هنا لغة الخوف، والتواطؤ، وربما فقدان الإيمان بأن الكلمة تستطيع أن تُقاوم. لكن في لحظات كهذه، قد تكون الكلمة وحدها الخندق الأخير.

*أستاذ جامعي، باحث وناقد

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

1
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت