في لحظة من لحظات الحقيقة التي تُسقط الأقنعة وتُظهر معادن الأنظمة، جاءت قضية غزة لتكون مرآة كاشفة للفصام السياسي الذي يطبع النظام العسكري الجزائري، في مقابل موقف مغربي متّزن، سمح بتجسيد تضامن شعبي واسع مع الشعب الفلسطيني، في أبهى صور الالتزام الإنساني والدعم الوجداني الحرّ.
فبينما أقدمت السلطات الجزائرية، يوم الأحد 20 يوليوز 2025، على قمع وقفة سلمية محدودة تضامناً مع غزة، شهدت العاصمة المغربية الرباط في اليوم نفسه مسيرة مليونية شارك فيها آلاف المواطنين من مختلف جهات المملكة، رفعت فيها الأعلام الفلسطينية والمغربية، ورددت الهتافات المنددة بالعدوان والداعية لرفع الحصار، في مشهد حضاري حضي بتأمينٍ مسؤول من السلطات دون قمع أو تدخل.
ازدواجية الشعارات في الجزائر... حين يتحول "فلسطين أولاً" إلى خطابة جوفاء
المفارقة التي لا تخفى على أي مراقب، أن القمع الجزائري جاء ساعات فقط بعد تصريح الرئيس المعيّن عبد المجيد تبون، الذي أعاد ترديد المقولة الدعائية الممجوجة: "الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".
لكن ما حدث في ساحة الشهداء بالعاصمة يكشف أن النظام مع فلسطين فقط إذا كانت وسيلة لتصدير أزماته الداخلية، أما حين يتعلق الأمر بمواطنين يعبّرون بصدق وحرية عن دعمهم للمقاومة، فإن العصى الأمنية تكون أسرع من الشعارات.
عبد الرزاق مقري، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، كان من أوائل من فضحوا هذا التناقض، حيث نشر على صفحته الرسمية أن قوات الأمن منعت الوقفة واعتقلت عدداً من الشباب، من ضمنهم ابنه أحمد ياسين، رغم أن الرسالة كانت واضحة وسلمية: "الجزائريون مع غزة وضد العدوان الصهيوني". غير أن آلة القمع ردّت بما تجيد: التفريق بالقوة، والاعتقالات، والتكميم.
المغرب... حين تُفتح الساحات لصوت الشعب
في الجهة المقابلة، منح المغرب ـ كما جرت العادة في مثل هذه القضايا ـ مساحة رحبة للتعبير الشعبي، فخرجت الرباط عن بكرة أبيها في مسيرة عارمة جمعت أطياف المجتمع: نقابيون، حقوقيون، فاعلون مدنيون، نساء ورجال التعليم، فنانون وطلبة...
الكل خرج من تلقاء ذاته، في مشهد راقٍ يدل على انسجام نسبي بين الدولة والمجتمع في القضايا الكبرى.
لم تُسجَّل تدخلات قمعية، ولم تُرفع شعارات هجومية ضد الدولة، بل كان الإيقاع الوطني والسياسي منسجماً في لحظة وجدانية جماعية، حملت رسائل متعددة: أولها أن القضية الفلسطينية جزء من وجدان المغاربة، وثانيها أن المغرب يعرف كيف يُدير التوازن بين الأمن والحرية، وثالثها أن الشرعية لا تُفرض بالقمع، بل تُكتسب من احترام الشعب.
فصام النظام الجزائري: القضية الفلسطينية كقناع دعائي
إن ما يكشفه سلوك النظام الجزائري في هذا السياق ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل خلل بنيوي في طبيعة السلطة ذاتها، التي اعتادت استعمال القضايا العادلة كورقة دعائية خارجية، بينما تمارس النقيض داخليًا. ففلسطين التي يتغنى بها الإعلام الرسمي ليل نهار، تتحول إلى "محظور سياسي" حين تكون مدخلاً لتعبئة شعبية مستقلة أو تعبير عن الوعي الجمعي. وهذا هو الفصام السياسي في أعتى تجلياته.
السلطة في الجزائر، بدل أن تنصت لشعبها وتسمح له بأن يُعبّر بحرية عن تضامنه، تراه خصماً حتى حين ينصر المظلومين في غزة. وهذا التناقض الفجّ يعكس هشاشة نظام يخشى حتى الشعارات التي يدّعي رفعها، لأنه ببساطة يعرف أن الشعب حين يسترجع صوته في قضية عادلة، سيطالب لاحقاً بالعدالة داخلياً... وهنا مربط الفرس.![]()
الختام: الشعوب تعرف... والتاريخ لا ينسى
ما بين الرباط والجزائر، في مشهدين متزامنين، كُشف الغطاء عن طبيعة كل نظام. المغرب منح المواطنين فضاءً سلمياً للتعبير عن تضامنهم الإنساني، فأكد بذلك أن الشرعية لا تُبنى بالقمع، بل بالمصداقية والتفاعل الإيجابي.
أما النظام الجزائري، فاختار مرة أخرى أن يُطلق النار على قدميه، ويؤكد للعالم أن شعاراته لا تصمد أمام اختبار الواقع.
إن الشعوب قد تُخدع مؤقتاً، لكن التاريخ لا يرحم، وسيذكر أن من ادّعى مناصرة فلسطين قمع المتضامنين معها، بينما من انخرط في دعمها ميدانياً، آمن بأن نصرة المظلوم لا تكتمل إلا حين يكون المواطن نفسه حراً.


تعليقات
1