جريدة تمغربيت|24 ساعة

مراكش: سوق “أربعاء السويهلة”.. عندما تتحول الجباية إلى شبهة، وتغيب الشفافية عن المال العمومي

a-88

في مغرب يرفع راية الإصلاح ويعلّق آماله على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا تزال بعض جيوب الفساد ترفض الانقراض، وتصر على تحويل المرفق العمومي إلى غنيمة شخصية.

آخر الفصول ما كشفه فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمنارة مراكش، الذي وجّه رسالة حازمة إلى والي جهة مراكش آسفي ورئيسة المجلس الأعلى للحسابات، مطالبًا بافتحاص شامل للسوق الأسبوعي “أربعاء السويهلة”، على خلفية ما وصفته الجمعية بـ"خروقات تمس الشفافية والنزاهة في تدبير المال العام".

ما تورده الجمعية ليس مجرد شكاوى عابرة، بل اتهامات دقيقة مدعومة بمعطيات خطيرة: تعريفة جبائية تُخرق دون حسيب أو رقيب، حيث يُحصّل 100 درهم فقط عن شاحنة التبن بدلًا من 200، و15 درهمًا فقط عن رأس الماشية بدلًا من 20، فضلاً عن فرض 3 دراهم مقابل موقف الدراجات مع تسليم وصل بدرهم واحد فقط. الأسوأ من ذلك، أن مبالغ أخرى يتم استخلاصها من المرتفقين دون أي سند محاسبي، في مشهد يشي بوجود منظومة محلية متآكلة تُسيّر بمنطق الريع والارتجال.

قد يُقال إن الأمر لا يعدو كونه تلاعبًا ببضع دراهم، ولكن التجربة المغربية تُثبت أن الفساد لا يبدأ بكبائر، بل يتغذى على السكوت عن الصغائر، حتى يستفحل ويُصبح مؤسسة ظل. والمقلق أن ما يحصل في سوق “السويهلة” ليس معزولًا، بل يعكس نمطًا متكررًا في تدبير بعض الجماعات الترابية التي تُفلت من رقابة المؤسسات رغم وضوح النصوص القانونية.

الدستور المغربي، في الفصلين 154 و159، واضح لا لبس فيه: المرفق العمومي يُدار وفق مبادئ الشفافية، والمحاسبة لازمة عن كل مسؤولية. كما أن القانون التنظيمي 113.14 ينص على آليات رقابة ومحاسبة دقيقة، إلا أن التجسيد العملي لهذه النصوص يظل معلقًا متى ما غاب الضمير الإداري وغُيّبت الإرادة السياسية في محاربة الفساد الصغير والكبير.

إن ما تطالب به الجمعية ليس أكثر من تطبيق القانون. افتحاص مالي وإداري دقيق، يضع اليد على موطن الخلل ويحدد المسؤوليات، حتى لا يظل المال العمومي مشاعًا، والمرتفق مجرد رقم في معادلة الريع. حماية السوق من العبث ليست ترفًا حقوقيًا، بل ضرورة حيوية لحفظ ثقة المواطن في مؤسسات بلاده.

لا يستقيم الحديث عن مغرب جديد إذا ظلّ تدبير المرافق العمومية حبيس العقليات القديمة. وما سوق “السويهلة” سوى مرآة تعكس عمق الأزمة الأخلاقية في بعض مفاصل الإدارة المحلية. فإما أن تنتصر الدولة للشفافية والعدالة الجبائية، أو تواصل بعض الجهات تحويل الفضاءات العمومية إلى مزرعة خاصة، تُحصد فيها مداخيل بلا حسيب ولا رقيب.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت